الصفحة 1 من 18

د. م عبد الكريم خضير عليوي السعيدي

جامعة ذي قار - كلية الاداب

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الدراسة هي محاولة للوقوف على خصائص الوصف الادبي البنائية في الشعر والنثر، ولاسيما في النثر السردي، ورؤية مدى تماسك تلك الخصائص البنائية في حال تناص الأجناس الأدبية وتداخلها، ولاسيما في حال تداخل الشعري بالسردي، لنتبين طرائق البناء الخاصة بكل نوع أو شكل في محاولة لاستخلاص قواعد بنائية للوصف الشعري والنثري.

مقدمة:

نستعمل الوصف في حياتنا اليومية عندما نقول هذا طويل وهذا قصير وهذا نحيف وهذا مكتنز، كما نستعمله لتحديد لون العين والشعر، وكذلك لتحديد قوة الصوت وجماله، فضلا عن تميزنا به أنواع الروائح وتحديد أيها الأزكى، وبالمقابل فان للأدباء من شعراء وروائيين أساليبهم الخاصة في الوصف، وهي غير أساليبنا، وان لكل جنس أونمط أدبي طابعه الخاص في الوصف، بيد أن الحداثة زادت أمر الوصف تعقيدا بعد أن نادت بفكرة نفي الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية والتراجع عن الإيمان بمبدأ نقاء النوع الأدبي الواحد، ومن ثم السعي إلى دمج ما هو شعري بما هو نثري، لكي يفضي الأمر إلى كتلة أدبية واحدة جديدة تتجاوز فيها مستويات الخطاب وتتفاعل فيها تقنيات التعبير وأساليبه، عندما تتداخل الشعرية بالسردية، معلنة سقوط نظرية نقاء الجنس الأدبي الواحد ونفي الحدود الفاصلة بين الأجناس والأنواع، وانفتاح الأجناس الفنية والأدبية أو تناصها مع بعضها، ومن ثم ظهور مفاهيم جديدة بديلة عن مفهوم الجنس أو النوع الأدبي، كمفهوم الكتابة والنص، بوصفهما نوعا حرا يستثمر خصائصه من أنواع أو أجناس مختلفة، أو هو جنس أدبي تتماهى من خلاله كثير من الأجناس الأدبية والفنية، وهكذا صار من المستحيل وجود الشعر الخالص والنثر الخالص، لكن وعلى الرغم من إيمان جيرار جنيت بأن موضوع الشعرية هو جامع النص وليس النص، أي أن شعرية النص تنبثق من مجموع العناصر الداخلة فيه، إلا انه ما زال يؤمن بثنائية الشعر والنثر المستمدة من الجانب الشكلي لنظريته، وان خصوصية الجنس الأدبي تظل قائمة على الرغم من الدعوات إلى نفي مفهوم الجنس الأدبي (1) ، وفي ضوء ما تقدم صار من المالوف حضور السينما والمسرح وتقنياتهما في النصوص الأدبية، إلا أن السرد بآلياته المختلفة يظل يلعب في هذا الخصوص دورا كبيرا، بعد أن صار النص يعتمد تقنيات متعددة، ولاسيما في مجال الوصف وتعريف الشخصيات وتصوير الأماكن، فضلا عن تصوير مدى ما تحدثه الأشياء في النفس من تأثيرات، ونظرا لهذا الانفتاح صار لزاما على النقد الأدبي الحديث أن يستجيب لهذه التطورات وان يكسب مصطلح السرد دلالات أوسع من القص أو الحكي، إذ صار يعني كل عمل طابعه الحكي أو الحبك، سواء أكان مكتوبا أم منطوقا أو مرئيا أو مسموعا، أي انه كل عمل تضمن قصة أو رواية بغض النظر عن مظهره التعبيري، وبناء عليه صار السرد يشتمل على القصة والرواية والمسرحية والحكاية الشعبية والأسطورة والحلم والشريط السينمي والنكتة والأحجية والحديث الإذاعي والتمثيلية، وغيرها كثير، بل أن تودوروف الذي وصل إليه أمر السرد من الشكلانيين الروس، وقبل ذلك أبحاث دي سوسير اللغوية ومن جاء بعده من الالسنيين، لم يعد لديه الموضوع الحكائي ديدن السرد بل أصبح العالم كله لديه قابلا للسرد، فالفلسفة سرد للفكر الإنساني، وعلم الاقتصاد سرد للحاجة والندرة المتصارعة مع قانون العرض والطلب، ومن ثم أصبحت كل الأفعال في الوجود تمثل سرد الأنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت