الصفحة 13 من 18

الإمام علي (ع) ، وهي صفة موجودة بالفعل، على عكس الشعر الذي يذهب بعيدا في تخيل نعوتا للموصوف غير موجودة، وكأنه يحلق بمتلقيه في الفضاء، كوصف جبين الخليفة اللامع بالذهب، أو كون الموصوف شهاب من شهب الله، وهو الأمر الذي جعل جمله جملا إنشائية لا خبرية، لأنها لا تحتمل الصدق والكذب، لأنها تكشف عن مدح لشخص الموصوف، ولعل من الجدير ذكره هنا هو أن صور الإعجاب والمديح صور نسبية تتبدل بتبدل المكان والزمان، وهذا ما فهمه المتوكل العباسي عندما سمع من علي بن الجهم مدحا صحراويا، ولكن وعلى الرغم من ذلك يبقى التصوير أو الوصف الذي انطوى عليه هذا المديح يبقى وصفا موجزا لا يقف عند تفصيلات الموصوف، والملاحظة الأخرى التي نود تسجيلها هنا هي أن وصف علي بن الجهم للمتوكل قد انطوى على الرمز، فضلا عن كونه قد تعامل مع دواخل الموصوف، عندما وصف وفاء التوكل وشجاعته، وهو أمر يكثر في السرد أكثر منه في الشعر، ذلك لأن السارد غالبا ما يحاول الوقوف على تفصيلات الموصوف الداخلية والخارجية، عكس الشاعر الذي يحاول في وصفه الاكتفاء بالتلميح للصفات، ولاسيما الخارجية، فالخليفة هنا هو كلب في وفائه وحفاظه للود وكالتيس في قراع الخطوب، وبغية التوضيح أكثر استعين بمثالين سرديين آخرين غير الأمثلة التي ذكرناها سابقا، يتضح فيهما الوصف الداخلي، الأول وصف لشخصية السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ إذ يقول واصفا تواضع الرجل وثقته بنفسه: (( ولكن مع أن ثقته بنفسه بلغت حد الاعتقاد بأنه خير الرجال قوة وبهاء وظرفا وكياسة، إلا أنه لم يثقل أبدا على أحد من الناس لأن تواضعه كان طبعا وسجية كذلك، ولأنه ينبع من فطرة تسيل بشاشة وإخلاصا وحبا. والحق أنه كان ينزع بفطرته إلى أن يحب كما يحب، ولا يمسك عن نشدان المزيج من الحب، فاتجهت طبيعته بوحي من غريزته الظامئة للحب إلى الإخلاص والوفاء والصفاء والتواضع، تلك السجايا التي تجذب الحب والرضا كما تجذب الزهور الفراش ) ) (66) ، والمثال الثاني هو وصف محجوب عبد الدايم بطل رواية (القاهرة الجديدة) لنجيب محفوظ، فقد وصف محفوظ أنانية محجوب واستهتاره بكل المثل والقيم بقوله: (( كان صاحب فلسفة استعارها من عقول مختلفة كما شاء هواه، وفلسفته الحرية كما يفهمها هو، أصدق شعار لها، هي التحرر من كل شيء؛ من القيم والمثل والعقائد والمبادئ، من التراث الاجتماعي عامة! وهو القائل لنفسه ساخرا: إن أسرتي لن تورثني شيئا أسعد به فلا يجوز أن أرث عنها ما أشقى به وكان يقول أيضا: إن أصدق معادلة في الدنيا هي: الدين + العلم + الفلسفة + الأخلاق = طظ وكان يفسر الفلسفات بمنطق ساخر يتسق مع هواه، فهو يعجب بقول ديكارت: أنا أفكر فأنا موجود ويتفق معه على أن النفس أساس الوجود، ثم يقول بعد ذلك أن نفسه أهم ما في الوجود! وسعادتها هي كل ما يعنيه. ويعجب كذلك بما يقوله الاجتماعيون من أن المجتمع خالق القيم الأخلاقية والدينية جميعا، ولذلك يرى من الجهالة والحمق أن يقف مبدأ أو قيمة حجر عثرة في سبيل نفسه وسعادتها! وإذا كان العلم هو الذي هيّأ له التحرر من الأوهام، فليس يعني هذا أن يؤمن به أو أن يهبه حياته، ولكن حسبه أن يستغله ويفيد منه. فلم تكن سخريته من رجال العلم دون سخريته من رجال الدين، وإنما غايته في دنياه: اللذة والقوة، بأيسر السبل والوسائل، ودون مراعاة لخلق أو دين أو فضيلة ) ) (67) ،ولعل من الواجب الإشارة هنا إلى أن هذا النمط من الوصف (الوصف الداخلي) يكثر في روايات تيار الوعي بأساليب مختلفة، على رأسها المنولوج الداخلي، وذلك حينما يترك الروائي شخصياته الروائية تتحدث عن نفسها بوساطة المنولوجات الداخلية.

الخاتمة:

على نحو عام نجد من الأمثلة السابقة أن السارد حاول إنزال متلقيه إلى الأرض في محاولة جعله يتلمس معالم الشخص الموصوف عبر الانغماس بذكر التفصيلات، ولاسيما رسم دواخل الشخصيات، بغية التصديق، على الرغم من كون الأجواء هي أجواء مدح أو هجاء، وهو الأمر الذي لم نلمسه في الوصف الشعري الذي مال في وصفه أما إلى تقزيم الشخص المهجو والسخرية منه، أو إلى تخيل صفات كريمة وإلصاقها بالشخص الممدوح، فقد وقف الواصف في السرد وقفة موضوعية تفصيلية شرح خلالها تفصيلات الشخصيات بكل ما أوتي من قوة، وربما يتبادر إلى ذهن القارئ تصور يقول: إن حضور الموضوعية والحيادية في الوصف هنا ـ حتى مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت