بربهم ـ في سورة الكهف ـ واعتزالهم قومهم الكافرين، فنرى أن صورة ذلك المكان غير واضحة، فلا نعرف عنه شيئا إلا من خلال حركة الشمس التي تزاوره، وهكذا فإضاءة الشمس وحركة الأشخاص وطريقة نوم الكلب هي التي ترسم لنا معالم هذا المكان، وهكذا هو الأمر مع البحر في قصة سيدنا نوح (ع) فنحن عرفنا بهياج البحر وتلاطم أمواجه كأنها الجبال الشاهقة، من خلال حديث نوح (ع) وابنه، وهكذا هو الحال مع صفة البقرة التي ذبحها بنو إسرائيل وما كادوا يفعلون ـ في سورة البقرة ـ إذا عرفنا أنها بقرة متوسطة العمر وصفراء اللون فاقع لونها تسر الناظرين من خلال سير الأحداث، وإذا كان وصف البقرة هنا جاء بصيغة التفصيل فانه لم يكن كذلك في مواطن كثيرة، والسبب هو أن القرآن الكريم يفصل في الوصف عندما تكون له أهمية في تطوير الأحداث وبلورت مقصدية القصة، ومن هنا علينا القول أن الوصف في القصة القرآنية يغلب عليه أن يكون موجزا مجملا وذلك بسبب عدم جوى الوصف هنا، لأن قصدية القصة القرآنية الهداية وليس شيئا آخر، وهو يمكن أن يكون تفصيليا ـ كما في وصف البقرة ـ عندما يكون له أهمية في تطوير الحدث القصصي وبلورت مقصدية القصة (39) .
لعل من البديهي القول هنا: ان السارد لا بد أن يوهم متلقيه بحقيقة ما يكتبه، لذا صار من العسير أن يسرد القاص من دون أن يصف، من هنا نتبين أهمية الوصف للسرد، ذلك لأنه لابد له من أن يكشف عالمه السردي لمتلقيه حتى يعتقد بصدقه فيتفاعل معه، في حين يستطيع القاص أن يصف من دون أن يسرد، وقد علل جيرار جينيت ذلك من وجهة نظر فلسفية تربط الحركة بالمحرك، فلا حركة من دون محرك، ولكن من الممكن أن يوجد المحرك في حالة سكون، وضرب على ذلك مثالا هو إن جملة: (البيت ذو سقف ازرق ومصاريع خضر) لا تحوي أي ملمح من ملامح السرد، في حين إن جملة: (اقترب رجل من المائدة واخذ سكينا) تحوي إلى جانب فعلين ثلاثة أسماء، تدل على نحو ما على الوصف ففعل مثل (اقترب الرجل) يدل على السرد بمقدار ما يدل على الوصف، لأننا حكينا اقتراب الرجل، وفي الوقت ذاته وصفنا حركته، ولهذا يمكننا القول ـ والكلام لجنيت ـ إن الوصف أكثر أهمية من السرد، لأن من اليسير أن نعثر على الوصف من دون السرد، من أن نعثر على السرد من دون الوصف (40) .
ومن الجدير ذكره هنا هو أن التصوير أو الوصف في الشعر الخالص لا يخضع لعنصر الزمن الأدبي ـ كما هو الشأن في السرد الخالص ـ إلا في حال مجيء السرد شعرا، في حين يرتبط الوصف في السرد بالحركة والزمن (41) ، وهذا الموضوع يمكن ربطه بطرائق بناء الوصف في العمل السردي فالوصف في السرد أما أن يأتي بصورة مقطع يمكن عزله عن جسم السرد أو رفعه منه من دون الإخلال بسير الأحداث وتطورها، وقد أطلق النقاد تسمية الوقفة الوصفية على هذا النمط، وهو الوصف الذي يتوقف فيه الزمن السردي لكي يتيح المجال للقاص بيان عالمه القصصي، فإذا كان السرد يروى الأحداث في الزمان، فإن الوصف يصور الأشياء في المكان، أو هو يتناول الأشياء، فيرسمها بوساطة اللغة، وهذا النمط من الوصف غالبا ما يكثر في السرد التقليدي، فأدباء القرن التاسع عشر مثل (بلزاك) كانوا يفضلون الصور الوصفية فيفردون عشرات الصفحات لوصف مشاهد وأشياء ساكنة، وهذا الوصف يأتي على هيأة مقاطع وصفية يمكن عزلها عن العمل نفسه كلوحات جمالية مستقلة، وهو الشيء الذي نجده في الكثير من التجارب الأولية في الرواية العربية، عندما كان يتم الإسهاب في الوصف من أجل الوصف فقط؛ وصف الربيع - وصف السماء الجميلة - وصف النجوم اللامعة الخ .. وكثيرًا ما يكون الوصف ساكنًا لا يتحرك، فبينما يمثل السرد الحركة وسريان الزمن في الرواية، نجد هذا النمط من الوصف يمثل فترات توقف في الزمن، وهي مشكلة تواجه الكاتب، إذ يضطر لإيقاف سرد الأحداث، ليخبرنا عن فلان أنه مستطيل الرأس وناتي عظام الوجنتين و الخ! .. ، كما فعل الطيب صالح في (عرس الزين) عندما وصف لنا البطل قائلا: (( كان وجه الزين مستطيلا، ناتي عظام الوجنتين والكفين، وتحت العينين جبهة بارزة مستديرة؛ عيناه صغيرتان محمرتان دائما، محجراهما غائران مثل كهفين في وجهه، ولم يكن على وجهه شعر إطلاقا، ولم يكن له حواجب ولا أجفان، وقد بلغ مبلغ الرجال وليست له لحية ولا