الصفحة 14 من 18

حال الإعجاب والكره - راجع إلى عدم انتماء الوصف السردي في النماذج المختارة هنا إلى ما يسمى بروايات تيار الوعي المشار إليها، وإنما إلى النمط الواقعي الذي يقل فيه حضور الذاتية والغنائية، وبعبارة أخرى أن غياب الخبرية أو تراجعها في الوصف السردي هنا مقابل الإنشائية إنما هو بسبب انتماء هذه الأعمال إلى الواقعية وليس إلى تيار الوعي، ولو جاء الوصف هذا برواية من روايات تيار الوعي لأختلف الأمر، وردا عن هذا التصور نقول: من الصحيح القول هنا أن لغة روايات تيار الوعي تقترب في بعض مفاصلها من لغة الشعر، ولاسيما في الوصف، ومن ثم فان هناك فرصة لوجود وصف سردي تطغى عليه الإنشائية، لأنه لم يأت للتوضيح والإبانة، بل لعرض حالات الأشخاص النفسية وتغير مزاجهم وانفعالاتهم، لكن ذلك لا يعطينا الحق بالتعميم، فحتى اشد روايات تيار الوعي تطرفا لا بد لها من إقناع المتلقي بما تريد أن تقوله، وإلا سوف يصبح ما يقوله القاص عبارة عن خربشات لا طائل منها، ومن ثم فلا بد للقاص من أن ينزل بمتلقيه إلى الأرض وإلا يجعله يحلق في الفضاء كما الشاعر، لكي يكسب تأيده، ويغريه بمتابعة القراءة، وفي ختام هذه الدراسة لا بد لنا من إيجاز ما توصلت إليه، ولو في حدود النماذج التي درستها، فنقول: إن الوصف الشعري يختلف عن الوصف النثري عموما، والسردي على وجه خاص، ونقاط الخلاف بينهما يمكن إيجازها بالآتي:

1 ـ يغلب على الوصف الشعري أن يأتي بصغ الجمل الإنشائية، التي لا تحتمل أن توصف بالصدق أو الكذب، في حين يأتي الوصف النثري بصيغ الجمل الخبرية.

2 ـ يغلب على الوصف الشعري انه يأتي لغرض المديح أو الهجاء، حتى في حالة مجيئه مستقلا، كما هي قصائد البحتري في ايوان كسرى وبحيرة المتوكل، فالبحتري هنا لم يصف بيتا متواضعا لشخص فقير معدم، بل ان اعجابه بالخليفة وبالتراث الفارسي هو الذي حتم عليه ذلك الوصف، في حين يمكن أن يأتي الوصف النثري لأغراض متعددة منها المديح والهجاء، ومنها كذلك التوضيح والتفسير والإيهام، ولاسيما في السرد، بغية محاولة إقناع المتلقي بحقيقة ما يقال.

3 ـ يغلب على الوصف الشعري انه وصف موجز وتلميحي، لأنه يختار من صفات الموصوف ما يناسب المقام، في حين يفصل الناثر بصفات موصوفه، لأن في ذكر التفصيلات مدعاة لتقريب الموصوف في الأذهان، وهذا هو الغرض من الوصف في النثر عموما والسرد على وجه خاص.

4 ـ يترك الشاعر متلقيه معلقا في الفضاء ولا ينزله إلى الأرض، لكي يتلمس معالم العالم الذي وصفه له، بينما يميل الناثر إلى عكس ذلك، والشاعر في ذلك يقصد تعمية المتلقي، في حين يقصد الناثر كشف الضبابية التي تحيط بالموصوف.

5 ـ يغلب على الوصف النثري انه يصف دواخل وخوارج الموصوفات، في حين يكتفي الوصف الشعري بوصف المظاهر الخارجية، ولا يغوص في دواخل الموصوفات.

1 ـ ينظر: الشعرية من وجهة نظر جيرار جنيت (بحث من الانترنيت) .

2 ـ للاستزادة عن هذا الموضوع ينظر على سبيل المثال: المصطلح السردي في النقد الأدبي العربي الحديث: ص 16 وما بعدها.

3 ـ الوصف في الشعر العربي ـ المقدمة (هـ) .

4 ـ ينظر: في نظرية الوصف الروائي: ص 75 وما بعدها، وينظر التمهيد في كتاب: في الوصف، كذلك ينظر: الخيال مفهوماته ووظائفه: ص 276.

5 ـ ينظر: الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث في ضوء تأثير النقد الانجليزي: ص 46.

6 ـ ينظر: الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي: ص 152.

7 ـ ينظر: الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث في ضوء تأثير النقد الانجليزي: ص 48.

8 ـ ينظر: وظيفة الوصف في الرواية: ص 6.

9 ـ ينظر: الصورة الشعرية: ص 21.

10 ـ هناك دراسات ببلوغرافية تحليلية لموضوع الصورة في الجهد النقدي والبلاغي العربي، ينظر على سبيل المثال منها: دراسات الصورة في النقد العربي الحديث، وينظر كذلك: المبحث الثاني من تمهيد كتاب: الصورة الفنية في شعر علي الجارم، الموسوم: الصورة الفنية 00 المفهوم والمعالم قديمًا وحديثًا، فقد تناول الباحث فيه كل ما يتعلق بأمر الصورة عند القدامى والمحدثين.

11 ـ ينظر: فن الشعر: ص 260.

12 ـ ينظر: الشعر والرسم: ص 46، قصيدة وصورة: ص 34.

13 ـ ينظر: من الأدب المقارن إلى النقد الثقافي المقارن (بحث من الانترنيت) ، ينظر كذلك: مدخل في نظرية النقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت