الصفحة 5 من 18

على الشعراء عند حديثهم عن العمود الشعري، فقد اشترط النقاد على الشاعر أن يكون وصفه خال من المبالغة والغلو (الإصابة في الوصف) حتى لا يخرج شعره عما ألفه العرب، على الرغم من إيمان اغلب أولئك النقاد بأن أعذب الشعر أكذبه، الأمر الذي جعل أم جندب تقدم علقمة الفحل على أمريء القيس، لأن الأخير كان صادقا في وصفه عكس الأول الذي بالغ وكذب (31) .

ولو قارنا اهتمام العرب الأوائل للوصف الشعري بالوصف النثري عندهم، ولاسيما الوصف في النص القصصي نجد بونا واسعا بينهما، إذ لم يهتم النثر القصصي العربي القديم بالوصف مثلما اهتم الشعر به، ففي السرد القديم يقدم السرد وذكر الحوادث والأفعال على الوصف الذي لم يكن مطلوبا لذاته، مثلما في الشعر، إنما يأتي الحديث عنه ليخدم السياق الذي فيه ومن هنا لم يهتم احد فيه، ولهذا يبدو في اغلب الأحيان بدائيا أوليا يعتمد المبالغة والتضخيم، ويشذ عن ذلك وصف المقامات الذي اخذ موقعا مساويا أو موازيا للسرد، إذ أن كليهما يفضيان إلى هدف بلاغي تعليمي، لكن هذا الأمر لم يستمر طويلا، فمذ مطلع القرن الماضي انتبه الأدباء والنقاد على حد سواء إلى أهمية الوصف في العمل السردي، وقد دفعهم إلى ذلك تأثرهم بالمدارس الأدبية الغربية، ولاسيما بعد تداخل الفنون مع بعضها وتماهيها، فراح النقاد العرب يتساءلون عن هوية الواصف وزاوية نظره وبعده عن الموصوف والزمن المستغرق في الوصف (32) .

الوصف في القرآن الكريم:

أما في القران الكريم فان التصوير أخذ حيزا كبيرا من الخطاب القرآني، حتى يمكننا القول إن القرآن كله تصوير ووصف ما خلا آيات التشريع وبعض آيات الجدل والقليل من الأغراض التي تستدعي التقرير الذهني المجرد (33) وفيما عدا ذلك وصف القرآن الكريم العالم الآخر وأحداث الحشر، كما وصف الجنة ونعيمها الدائم السرمدي ووصف ثمارها وأنهارها وحور العين فيها (34) ،وبالمقابل وصف النار وأهوالها وشجرة الزقوم، كما وصف الطبيعة من ارض وسماء ووصف وقائع الدهور في مشاهد عامة (35) ، وبعبارة أوضح أن التصوير في القرآن هو القاعدة العامة للخطاب، بل هو رأسها وسيدها، إذ يطغى هذا الأسلوب على بقية الأساليب في عرض العقيدة ومعالجة كل الأغراض (36) ، والقران في وصفه إنما يميل ـ كما يرى العلماءـ إلى تقديم المعنوي بصورة حسية أو هو يعمد إلى (( إخراج ما لا يرى إلى ما يرى ) ) (37) والقرآن عندما يلح على التصوير لا يحاول تزويق الخطاب أو زخرفته عبر الوصف ـ كما هي بعض الكتابات البشرية ـ فالوصف هنا مرتبط بالغاية الرئيسة التي هي الهداية، فمن خلال ترهيب المتلقي ـ عندما يصف القرآن النار وأهوالها ـ أو من خلال ترغيبه ـ كما هي الحال عند وصف الجنة ونعيمها الدائم السرمدي وثمارها وأنهارها ـ يفضي الأمر إلى الهداية، ومن ثم فان الحديث هنا عن المبالغة أو الإيهام أو التهويل أو التزويق أو الزخرف في التصوير أو الوصف القرآني هو حديث ينطوي على إشكالية شرعية لا ينبغي الخوض فيها هنا، وعلى الرغم من كون التصوير القرآني ليس عملا فنيا مقصودا لذاته، بل هو وسيلة لتبليغ الدعوة وتثبيتها وتعميقها عن طريق الإمتاع والإقناع (38) .

وفي القصص القرآني نجد أن الوصف قليلا جدا، وإذا ما وجد فهو إيحائي، فالمدن والأشياء تذكر بأسمائها من دون تفصيل، وهكذا هو الحال مع شخصيات القصة القرآنية، وإذا ما وجد الوصف فهو صورة سردية متحركة وليس مقطعا وصفيا ساكنا يمكن عزله، وعلى سبيل المثال نجد أن شخصية نبي الله يوسف (ع) التي هي الشخصية الرئيسة أو المركزية ـ استنادا إلى التصنيف النقدي ـ في سورة يوسف غير واضحة المعالم، إذ لم نجد وصفا جسمانيا أو نفسيا لها، وان جل ما ورد عنها في هذا الخصوص هي إشارات من خلال أفعال الآخرين، وهي بمجموعها تشكل المرآة العاكسة لوصف هذه الشخصية، فمن خلال شغف امرأة العزيز بيوسف، وهو شغف أنساها كل شيء؛ الحسب والنسب والمكانة الاجتماعية، نستطيع أن نرسم صورة ذهنية عن جمال يوسف (ع) وليس صورة شكلية، وتزداد تلك الصورة وضوحا عندما نضيف إليها موضوع إكبار نساء المدينة له وتقطيع أيدهن عندما رأينه، وما ينطبق على الشخصيات القصصية ينطبق على المكان القصصي أيضا، فوصف هذه الأمكنة يتم عادة بالطريقة ذاتها، وعلى سبيل المثال نأخذ صورة الكهف الذي آوى إليه الفتية الذين أمنوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت