المنطوية في العالم، وأنواع السرد ـ حسب رولان بارت ـ لا حصر لها، فالسرد يمكن أن تحمله اللغة المنطوقة شفوية كانت أم مكتوبة، والصورة ثابتة كانت أم متحركة، كما يمكن أن يحمله خليط منظم من هذه الأشياء، كما انه بأشكاله اللانهائية حاضر في كل زمان ومكان (2) ، واستنادا إلى ما تقدم صار النقد الأدبي المعاصر يعد كل نص شعري يشي ببعض عناصر السرد أو يوحي ببعضها، يعده شعرا سرديا، وفي ضوء ذلك ازداد أمر الوصف تعقيدا، لأننا نعتقد أن لكل جنس أدبي قوانينه الخاصة في بناء الوصف ـ وهو ما سعت هذه الدراسة النقدية إلى الوقوف عليه ـ بل أن لكل مقام وصف خاص به، فكيف بنا إذا اختلطت الأجناس والنصوص والفنون؟.
وعلى نحو عام فان الوصف ـ في ضوء الإيمان بوجود أجناس أدبية ـ أداة مشتركة بين الشعر والنثر، لكنه في الشعر ذاته، بل روحه، (( وبقية الأبواب الأخرى على جلال بعضها وانصراف الشعراء إليها في بعض عصور الأدب تجيء تابعة له متفرعة عنه نابعة منه وان بدا لهم غير ذلك ) ) (3) ، ولعل من البديهي القول هنا إن الحديث عن الوصف في الشعر لابد أن يجرنا إلى الحديث عن الصورة الشعرية، ذلك لأنه الوسيلة الرئيسة لخلقها، أقول ذلك على الرغم من عدم اتفاق النقاد جميعا على حدود الفاصلة بين التصوير والوصف والصورة والخيال، إذ ما زال هناك بعض اللبس في تحديد هذه المفاهيم المتداخلة (4) نظرا لكونها مصطلحات ومفاهيم وافدة من النقد الغربي عموما والانجليزي بشكل خاص (5) ، فعلى سبيل المثال اختلط أمر التصوير والوصف على محمد مندور حتى رأى أن التصوير خاص بالرسم وهو يصور الأشياء الجامدة أما الوصف فهو خاص بالشعر وهو يصور الأشياء المتحركة أو يصور الأشياء في أثناء حركتها وقد أنكر عليه ذلك الولي محمد الذي يرى أن كثير من الشعر يصف الأشياء الجامدة وكثير من الكلام يقدم الأشياء في حالة حركتها ومع ذلك هي ليست شعرا بمفهوم محمد مندور (6) ، ورأى آخرون أن التصوير معني بالجانب الحسي من الصورة الشعرية، أو هو رسم لوحة بصرية للطبيعة والصفات الإنسانية ومن ثم فقد استعملوا مصطلح الصورة والتصوير عند حديثهم عن الرسم، في حين استعملوا مصطلح الصورة الشعرية عند حديثهم عن الصورة في الشعر (7) . أما عبد اللطيف محفوظ في كتابه (وظيفة الوصف في الرواية) فهو يميز بين الوصف والصورة تميزا مختلفا بعد أن اعتمد في تعريفيهما على رولان بارت وباشلار (8) . اما دي لويس في كتابه الموسوم"الصورة الشعرية"الذي يعد مرجعا في هذا الخصوص لم يقدم لنا في هذا الشأن إلا ما من شأنه مضاعفة الأسئلة وزيادة الحيرة، ولا سيما بعد أن عرف الصورة الشعرية بأنها رسم قوامه الكلمات (9) ، ولعلنا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا بعد ذلك انه على الرغم من اختلاف النقاد والبلاغيين في تحديد حدود هذه المفاهيم، فضلا عن تحديد ماهية الصورة الفنية وتحديد مكوناتها وعناصرها (10) ، إلا أن الجميع يتفقون على جعل الصورة السمة المميزة للخطاب الشعري والحد الفاصل بين لغة الشعر ولغة النثر، فما الشعر إلا مجموعة من الصور المصنوعة من الكلمات، وإذا كانت هناك مكونات شعرية قابلة للتغير والتطور، فان الصورة هي المكون الثابت في القول الشعري، وهي لب الشعر، بل هي الشعر ذاته (11) وهكذا فقد ارتبط مفهوم الصورة بالإبداع الشعري من دون سواه، ومن هنا زاد الاهتمام بها، ولاسيما عند النقاد العرب القدامى الذين اهتموا بكل ما هو شعري على حساب الفنون الأخرى، وفي الدراسات النقدية الحديثة يكفي أن نقرأ عنوانا يقول: الصورة الفنية؛ لنعرف منه أن موضوع الدراسة يدور حول نص شعري، وان تلك الدراسة تهتم بدراسة الصور الفنية التي يخلقها المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية.
المحاكاة في الآداب والفنون:
ولما كان الأدب والفن بصورة عامة هو نمط من أنماط المحاكاة، ولكنها تختلف في الطريقة والأداة، أو هو لون من ألوان التصوير أو هو مجموعة من الصور المصنوعة من الكلمات، ولاسيما الشعرـ كما يقول سي دي لويس ـ إذن فمن الطبيعي أن يتحدث النقاد هنا عن مدى التشابه بينه وبين التشكيل أو الرسم نظرا لكونهما نوعا من المحاكاة والتصوير (12) ، وقد أخذت دراساتهم منحى آخر عندما تعدت مجرد البحث عن التشابه والاختلاف من خلال المبادئ العامة إلى التماس