بعض جوانب التشابه وإدراك جوانب التأثير بين هذه الفنون والأدب وأهميه أن يسترشد الناقد بالأعمال الفنية في كشف خبايا الفنون الأدبية أو العكس، ويزداد اتساع هذه المقارنات بين الشعر والفنون الأخرى بعد ظهور المنهج الأمريكي في الأدب المقارن الذي أدرك أصحابه أن ليس بالأدب وحده يحيا البحث المقارن، وان هناك صلات للأدب بالعلوم المختلفة والفنون الجميلة والموسيقى، وهي صلات متعددة الأشكال وشديدة التعقيد، فالشعر يستنزل الوحي أحيانًا من الرسم أو النحت أو الموسيقى وقد تغزو الأعمال الفنية الأخرى موضوعات للشعر شأنها شأن الأشخاص وموضوعات العلوم الطبيعية، وأن الأدب يستطيع بدوره أن يصبح موضوعات للرسم أو الموسيقى، ومن هنا ظهرت الدراسات النقدية عند الإنجليز والألمان وغيرهم، التي تهتم بعلاقة التأثير بين قصيدة شعرية وصورة لرسام أو نحات، وتتسع أيضًا لتشمل مقارنة الشعر بالفن السينمائي والمسرحي وإفادته من التقنيات الحديثة، ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو ان هذه الدراسات التي تعنى بالمنتج الثقافي بشكل عام وعدم اقتصارها على الأدب حسب، صار يشار إليها بالبنان في الوقت الحاضر وصار لها حضور مميز على الساحة النقدية، وقد أطلقت تسمية النقد الثقافي عليها، ويرى أصحاب هذا الجهد النقدي انه من الممكن ممارسته ضمن إطار لغوي واحد عكس الأدب المقارن، ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الباحثين في هذا النمط من الدراسات لا يرون حرجا في توظيف التقنيات نفسها التي استخدمها النقد الأدبي للوصول إلى استنتاجات جديدة وبلورة وجهات نظر مختلفة عن تلك التي توصل إليها النقد الأدبي، وفي هذا الصدد يشار إلى الناقد الأمريكي ستيفن توتوسي بوصفه أشهر من دعا إلى تطوير منهج نقدي يدرس الثقافة بمختلف مكوناتها وآليات إنتاجها، وان كان هذا المنهج يرتكز في إطاره النظري والمنهجي على مجموعة من المبادئ المستعارة من الأدب المقارن والدراسات الثقافية، ومن مجموعة الأسس المرتبطة بالبنائية، وفي دراسة له بعنوان (من الأدب المقارن اليوم إلى الدراسات الثقافية في عام 1999) استكشف ستيفن توتوسي إمكانية تطوير منهج جديد يجمع بين خصائص الأدب المقارن وبين سمات النقد الثقافي، واقترح تسميته بـ (الدراسات الثقافية المقارنة) ،وقد سار على هذا النهج الكثير من أساتذة الأدب المقارن في العالم، وسارعوا في تحويل أقسام الأدب المقارن في جامعاتهم إلى أقسام للدراسات الثقافية المقارنة (13) ، ومما لا شك فيه أن مقارنة الشعر بالرسم أو الشعر بالسينما والتلفزيون وهي فنون بصرية سينصرف الجزء الأكبر منها إلى طريقة تشكيل الصورة في هذه الفنون مقارنة بالشعر ومدى إفادة الصورة الشعرية من الصورة في هذه الفنون (14) ، ويبدو أن هذه العلاقة أكثر لصوقا بالوصف لأنه محاولة لتجسيد مشهد من العالم الخارجي في لوحة مصنوعة من الكلمات (15) ومن هنا جاءت كلمات بعض النقاد والفلاسفة حول موضوع تشابه الشعر والتشكيل، حتى قال احدهم: (( الشعر رسم ناطق والرسم شعر صامت ) ) (16) ، وقال آخر: إن الشعر يكتب للعين مثلما يكتب للإذن (17) .
إذا كان التشكيلي يعتمد على الفرشاة والألوان لرسم صورته، فان كاتب السرد لا يمتلك غير الكلمات ليرسم من خلالها ملامح عالمه القصصي، حتى يصور لنا ذلك العالم الذي من خلاله يستطيع إقناع المتلقي بأن ما يقوله حقيقة، ومما لا شك فيه أن التشكيليين والمصورين والنحاتين يختلفون عن الذين يعتمدون على اللغة كليا في رسم صورهم، ذلك لأن هؤلاء لهم أدواتهم المختلفة غير اللغة في رسم عوالمهم، وفضلا عن ذلك فإنهم يرصدون في تصويرهم لحظة زمنية واحدة في مكان محدد، في حين يستطيع كاتب الأدب أن يفعل مثلهم ـ كما في حالة الشعر الوصفي و مقاطع السرد الوصفية، كأن يصف الشعراء تمثالا أو سفينة أو بركة ماء وغيرها ـ أو انه يفعل أكثر من ذلك عندما يصور حركات متعددة في أزمنة وأماكن متعددة، إذ تستطيع الكلمة هنا أن تصف الأحداث المتعاقبة والمتغيرة، كما تستطيع الكلمة أن تصور المسموع وغير المرئي وتجسده بالصورة ولكن بالكلمات وأظن أنها الحالة التي يكون الوصف فيها ابلغ ما يكون، كما يقول ابن رشيق القيرواني: (( ابلغ الوصف ما قلب السمع بصرا ) ) (18) ، وهو ما تعجز عنه كاميرة المصور الفوتوغرافي ولوحة التشكيلي، لأن اللغة قادرة على اضفاء الحياة على الأشياء الجامدة سواء اكانت مرئية ام غير مرئية، مثل الصوت والرائحة، فضلا عن العواطف والانفعالات؛ كالغضب والخوف والحزن والحب والكره، من هنا فان التصوير اللغوي للمكان ليس