تبقى كلتا الصورتين في العمل السردي فقيرتين للوصف في تشكيلهما، لأنه الأساس الذي تستندا إليه (47) .
يبدو لنا في ضوء ما تقدم أن للصورة الذهنية تطبيقاتها على ساحة النقد الأدبي تتمثل بمجموعة من الدراسات حاولت أن تشكل أو تتخيل صورة ما لمسمى معين، كأن تبحث في بطون الأعمال الأدبية عن صورة للمرأة أو الطفل أو البطل أو اليتيم وغيرها (48) ،كما يبدو لنا أن النقد المقارن، ولا سيما في توجهاته الفرنسية عندما تحدث عن ميدان صور الشعوب أو صورة الأجنبي إنما كان يقصد هذا المفهوم من الصور، فهو في هذا الفرع من الدراسات يتتبع صورة شعب أو شخصية ما في نظر مجتمع معين، ومدى تأثيرها في الرأي العام، ومما لا شك فيه أن هذه الدراسات لا تأخذ على عاتقها التوثيق التاريخي أو أنها تدخل في باب علم النفس الاجتماعي، ومن ثم فهي لا تهدف بالدرجة الأساس إلى تغذية التاريخ أو الجغرافية أو علم الاجتماع بمعارف تحتاجها، كما هي الرحلات الاستكشافية، بل أنها تسعى إلى معرفة التصور أو الانطباع الذي يبقى في ذهن الإنسان (صورة ذهنية أو ما يسمى بالصورلوجيا) (49) ،عن بلد أو شعب، اثر زيارة أو مطالعة كتاب عنهما أو مشاهدة أو سماع حادثة تخصهما، فربما كانت لنا آراء مسبقة وربما خاطئة وغير مطابقة للواقع عن ذلك الشعب أو المجتمع، فيأتي الأدب المقارن ليزيل هذا الالتباس ويسهم في التفاهم بين الشعوب، وهكذا فان الشغل الأساس لهذه الدراسات هو استخلاص صورة ذهنية معينة من تجميع الصفات المادية والمعنوية المبثوثة في العمل الأدبي، سواء أكانت تلك الصفات مبثوثة من خلال الوصف الذي هو العمود الفقري في هذا الموضوع أو الحوار أو السرد أو أي عنصر آخر من عناصر السرد الأخرى.
اثر الصورة في ترسيخ القيم:
لقد استغلت ماكنة الإعلام الصهيوني وبعض الدراسات الإستشراقية غير المنصفة ما للصورة من اثر في تشويه صورة العرب والمسلمين بنظر الشعوب الغربية، ومن هنا فنحن ندعو إلى الإفادة من بعض الدراسات الاستشراقية في هذا الموضوع، ولا سيما المنصفة لكي نبدل الصورة السلبية التي ألحقتها بنا ماكنة الإعلام الصهيوني، وفي هذا الصدد لا بد لنا من الوقوف على الأسباب التي مكنت الصهاينة من تشويه صورة العرب والمسلمين، ومن ثم رسم صورة مشوهة عنهم في الذهنية الغربية، وفي الوقت نفسه لا نعجز نحن عن تشويه صورتهم حسب، بل عن رد ما الصقوه بنا من صور نمطية تتمثل بالإرهاب والقتل والتخلف، وهي بلاشك أسباب لا ترجع بالدرجة الأساس إلى مقدرتهم اللغوية وعجزنا أو تمكنهم من الإمساك بناصية اللغة الشعرية، بل لتمكنهم من توظيف ثقافة الصورة لصالحهم عبر الوسائل المختلفة، نظرا لما تمتلكه الصورة من مقومات لا تقدر الكلمة على مجاراتها، فلم يعد الشاعر هو وسيلة الإعلام الرئيسة كما هي الحال أيام الفرزدق وجرير، ومن هنا يتبين لنا أهمية الصورة في هذا الموضوع، ولغرض بسط القضية بصورة أفضل استعين بمثال من تراثنا العربي لتوضيح الأمر، فمن المعروف أن بشار بن البرد شاعر ضرير وأبو نواس شاعر مبصر وكلاهما يمتلك القدرة والشاعرية، ولكنهما يتباينان في الوصف والتصوير بسبب البصر، إذ أن من المنطقي أن تحفل صور المبصر باللون والحركة على عكس الشاعر الضرير الذي لا يمتلك المقومات التي يمتلكها قرينه المبصر، وبعبارة أخرى يتمكن الذي يمتلك إمكانية تشكيل الصورة من إقناع المتلقي أكثر مما يستطيع غيره، وهذا ما نجده في وصفهما لغبار المعركة إذ يقول بشار الضرير:
(( كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ))
بينما يقول أبو نواس المبصر في الموضوع ذاته:
(( كأن مثار النقع فوق سواده
سحاب على ليل تطحطح وادلهم ))
وهكذا يتضح لنا أن الشاعر المبصر قد تمكن بفضل بصره من التحكم بأدوات جعلت صوره حافلة باللون متجردة إلى بناء حسي واقعي لا يدع لحركة التصوير النفسي مسربا وقد جاءت على هيئة بصرية لتراكم الألوان فيها، على عكس صورة الشاعر الضرير التي جاءت على شكل العموم وعلى هيئة ذهنية غيبية، وهكذا هي الحال مع من امتلك مقومات إنتاج الصورة اليوم ومع من لم يمتلكها في عالم اليوم (50) .
ولغرض الوقوف على الفرق في طرائق بناء الوصف الأدبي؛ شعرا وسردا، ورؤية مدى