الصفحة 7 من 18

شارب، تحت هذا الوجه رقبة طويلة، ومن بين الألقاب التي أطلقها الصبيان على الزين الزرافة )) (42) .

أو أن يأتي الوصف مدمجا بالسرد أو ملتحما به إلى الحد الذي لا يمكن عزله عن السرد، وقد أطلق النقاد على هذا النمط من الوصف تسمية بالوصف المسرد أو الصورة السردية، والوصف هنا لا يشترط إيقاف عجلة الزمن السردي لكي يحضر، كما هو النمط السابق، بل هو يسير بموازاة السرد (43) ، فهو وصف الصورة المقرونة بحركة حية، وهو ربما يأتي في أثناء سرد الأحداث أو نقل حوار الشخصيات، فمثلًا بدلًا من أن نقول: فستان العروس ابيض طويل .. بإمكاننا أن نقول: رقصت العروس تحت ضوء الشمس مع عريسها فالمتع فستانها الأبيض الفضفاض بفعل الشمس، وكنست أطرافه الطويلة الأرض حتى كادت تتعثر فيه، فالصورة الأولى صورة وصفية ساكنة لا زمن فيها، أما الثانية فهي صورة سردية لها زمن، هو زمن فعل (الرقص) و (التعثر) لدى العروس، ومنه ما قاله الطيب صالح لشخصية ود الريس إذ يقول: (( وملس ود الريس شاربيه المقوسين بعناية إلى أعلى، طرفاهما حاد كحد الإبرة، ثم اخذ يمسح بيده اليسرى لحيته الغزيرة البيضاء التي تلبس وجهه من الصدغ إلى الصدغ، ويتنافر لونها الأبيض الناصع مع سمرة وجهه كلون الجلد المدبوغ، فكأن اللحية شيء صناعي الصق بالوجه، ويختلط بياض اللحية دون مشقة بياض العمة الكبيرة، مقيما إطارا صارخا يبرز أهم معالم الوجه؛ العينين الجميلتين الذكيتين، والأنف المرهف الوسيم، والريس يستعمل الكحل متذرعا بأن الكحل سنة، لكنني أظن انه يفعل ذلك زهوا، كان في مجموعه وجها جميلا ) ) (44) ، فمن خلال الوصف عرفنا بان ود الريس قد مد يداه إلى شاربيه ليلمسهما ويمسح بيده اليسرى لحيته البيضاء، أي إننا أمام حركة للسرد مقرونة بوصف مستفيض.

مصطلح الصورة الروائية:

ما زال مصطلح الوصف حاضرا في الدراسات النثرية عامة، والسردية بشكل خاص، إلا انه قد شاع في الآونة الأخيرة عند النقاد المغاربة مصطلح الصورة الروائية، مقابل الصورة الفنية التي اشرنا إليها سابقا (45) ، وفي هذا الصدد يقول أولئك النقاد المغاربة من الذين تأثروا بطروحات أقرانهم الفرنسيين أمثال ستيفان اولمان صاحب كتاب (الصورة في الرواية) ، يقول: إن الصورة ليست حكرا على الشعر وحده، بل تشترك الرواية في هذا الأمر، وان كانت لكل منهما قوانينه الخاصة به، فقوانين الصورة الفنية غير قوانين الصورة الروائية، وهي على الرغم من كونها ما تزال في طور التبلور والاجتهاد، إلا أن منطقها غير بعيد عن منطق الصورة الشعرية، إذ هي نسق لغوي مجازي في بعده التماثلي (46) ، وبغية التفصيل أكثر في هذا الموضوع ينبغي التعرف على طروحات اولمان نفسه في هذا الخصوص، فقد درس اولمان مجموعة من الروايات الفرنسية لكتاب مختلفين دارسا فيها صور التشبيه والاستعارة والكناية من منظور أسلوبي عند كل روائي، وفي النهاية استخلص الناقد خصائص الصورة التماثلية عند كل كاتب، وفي الوقت نفسه أشار إلى وجود أنماط مختلفة من التصوير في العمل الأدبي غير الصورة التماثلية؛ منها الصورة الذهنية التي قال عنها: إنها الصورة التي يتمثلها المتلقي عند قراءته لنص روائي، ومن ثم فهو يقوم ببناء صور عن أماكن وشخصيات عبر عملية التمثيل وليس الإدراك، منطلقا من العلامات النصية التي يقدمها النص، إذ يقوم هو بمليء تلك العلامات بدلالات من داخله و من خارجه ترجع إلى تخيلاته وادراكاته اليومية، فضلا عن نصوص سبق أن طالعها، ومن ثم فان الصورة الذهنية التي كونها القارئ في ذهنه هي خليط بين معطيات موضوعية من النص وأخرى مساهمة ذاتية من لدنه، وهذا ما نادت به نظرية التلقي، ولاسيما أيزر الذي ميز بين الادارك والتمثل، إذ يرى أن المخيلة البصرية تستند إلى عملية التمثل وليس فقط على انطباع الموضوعات داخل أحاسيسنا، فالا دارك بالنسبة لايزر يفترض وجود شيء مسبق، في حين يستند التمثل إلى نمط نكونه نحن، ومن ثم فإننا حينما نقارن بين صورة ذهنية كوناها عن شخصية أو مكان معين، وبين صورة بصرية عنها في فلم سينمائي، نجد أن الصورة البصرية غالبا ما تكون فقيرة مقارنة بالصورة الذهنية التي كوناها في أذهاننا، ذلك لأن الصورة البصرية أكثر تحديدا من الصورة الذهنية لأنها تقدم لنا المعلومات بدقة متناهية عكس الصورة الذهنية التي تبقي الباب مفتوحا لكل الاحتمالات، ولكن على الرغم من هذا الاختلاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت