، فقد وقف الجاحظ على تفصيلات ذلك الوصف بغية جعلنا نعيش الحالة بكل تفصيلاتها، فقال: (( كان احمد بن عبد الوهاب مفرط الطول، وكان مربعا، وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا، وكان جعد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي البساطة والرشاقة، وانه عتيق الوجه، أخمص البطن، معتدل القامة، تام العظم، وكان طويل الظهر، قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعي طويل الباد، رفيع العماد، عادي القامة، عظيم الهامة، قد أعطى البسطة في الجسم، والسعة في العلم ) ) (58) .
ويتضح من الأمثلة النثرية السابقة أنها جاءت في سياق الوصف الموضوعي الواقعي، فضلا عن الوصف بداعي الهجاء والسخرية، وهذه ميزة تختلف عن الوصف الشعري، ذلك لأن وصف الشاعر إنما يأتي في سياق المديح أو الهجاء، وندر أن يأتي في سياق موضوعي، في حين يأتي الوصف النثري بأساليب مختلفة؛ موضوعي غايته التوضيح والبيان ـ كما هو شأن الأمثلة السردية آنفة الذكر ـ وآخر غير موضوعي غايته السخرية والتهكم ـ كما هو وصف الجاحظ ـ، كما نلمس هنا التفصيل في الوصف بغية التصديق، كما في وصف الجاحظ لأحمد بن عبد الوهاب، وفي ضوء ذلك لا تفضي تشبيهات الشاعر في وصفه إلى التوضيح، بل التضخيم المفضي للسخرية، كما هو قول ابن الرومي عندما وصف الرجل ذا الأنف الطويلة قائلا: (( إن كان انفك هكذا فالفيل عندك أفطس ) )، بينما يميل القاص في تشبيهاته إلى تقريب الصورة وتوضيحها كما هو قول نجيب محفوظ: (( وأنفه البارز الأقنى كأنه شراع قارب ) ).
نختار الحديث عن المدح في هذا التطبيق، فإذا كان الهجاء يمثل حالة الهدم كما يعتقد اغلب النقاد القدامى، فان المديح هو البناء، ولما كان البناء أصعب من الهدم، لذلك كان المديح كذلك، لكننا هنا لا نتحدث عن مديح صاف، بل عن وصف موضوعي لشخصية معينة ـ على الأقل في الجانب النثري ـ وربما كانت هذه الشخصية تثير الإعجاب في نفس واصفها، كما هي شخصية الإمام علي (ع) ، فلنر ماذا يقول الواصفون عنه سلام الله عليه في المثالين الأولين.
ففي المثال الأول ينزع العقاد نحو الوصف الخارجي في تبسيط ودقة متوخيا التوضيح بجمل خبرية، كأنه يخاطب رساما يريد رسم صورة تقريبية للإمام علي (ع) ، أو كأنه يصف الإمام من الخارج في موضوعية وبعيدا عن التأثر، فيقول: (( هو في تمام الرجولة انه كان رضي الله عنه ربعة أميل إلى القصر، آدم ـ أي شديد الأدمة، أصلع مبيض الرأس واللحية طويلها، ثقيل العينين في دعج وسعة، حسن الوجه واضح البشاشة، أغيد كأنما عنقه إبريق فضة، عريض المنكبين لهما مشاش(رأس العظم) كمشاش السبع الضاري لا يتبين عضده من ساعده قد ادمج إدماجا، وكان أبجر أي كبير البطن، يميل إلى السمنة في غير إفراط، ضخم عضلة الساق مستدقها، ضخم عضلة الذراع، ششن الكفين، يتكفأ في مشيته، يميل على نحو يقارب مشية النبي (ص) ،ويقدم في الحرب فيقدم مهرولا لا يلوي على شيء )) (59)
أما المثال الثاني، فهو لضرار الصدائي الذي طلب منه معاوية وصفا للإمام علي (ع) ، فوصف ضرار الإمام وصفا فنيا متوخيا التأثير في نفس المقابل وليس التوضيح والبيان ـ كما هو شأن العقاد ـ وهو ينطلق في وصفه من تأثر واضح بشخص الموصوف، فيقول: (( فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحدته، وكان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، واشهد له لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، ألي تعرضت أم إلي تشوقت، هيهات هيهات! قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق ) ). (60)