يجلس مع شخص آخر فيلقي السلام بصيغة المثنى، ومما لاشك فيه أن ذلك لا يمكن بأي حال من الأحول أن ندرجه ضمن الإخبار، بل هو أسلوب إنشائي خرج إلى الهجاء والسخرية، وإلا فهو لا تحتمل الصدق أو الكذب، وتلك الصور إنما هي صور متخيلة لا أساس لها من الواقع، وفي المثال الثالث رسم لنا الشاعر رسما كاريكاتيريا ساخرا دقيقا من خلال اللغة، حتى أننا لو طلبنا من أحد الرسامين أن يرسم لنا فكرة الأبيات السابقة لخرجنا برسم لرجل طويل الوجه يحمل في ثناياه ملامح الكلب، وهو جالس على الأرض، وهناك أشخاص يسرقون أو يعتدون على أهله أو جيرانه من دون أن يحرك ساكنا، وفي الجهة المقابلة يرسم الكلب وهو يبعد الذئب عن المواشي، لكن الشاعر هنا زاد على ذلك بان انزل الموصوف إلى مرتبة الحيوانية من جهة بشاعة الوجه و http://www.maktoobblog.com/search?s=%D 8%A 7%D 8%A 8%D 9%86+%D 8%A 7%D 9%84%D 8%B 1%D 9%88%D 9%85%D 9%8 A+%D 9%88%D 8%AC%D 9%87%D 9%83+%D 9%8 A%D 8%A 7%D 8%B 9%D 9%85%D 8%B 1%D 9%88+%D 9%81%D 9%8 A%D 9%87+%D 8%B 7%D 9%88%D 9%84+%D 9%88%D 9%81%D 9%8 A+%D 9%88%D 8%AC%D 9%88%D 9%87+%D 8%A 7%D 9%84%D 9%83%D 9%84%D 8%A 7%D 8%A 8+%D 8%B 7%D 9%88%D 9%84&button=&gsearch=2&utm_source=related-search-blog-2010 - 01 - 19&utm_medium=body-click&utm_campaign=related-search طوله ثم زاد على ذلك بان جرده خصاله المحمودة؛ كالجرأة والأمانة والوفاء، الأمر الذي أفقده في النهاية إنسانيته، ولقد أدرك الشاعر في نهاية المطاف مدى تطاوله على هذه الصنعة الربانية ومبالغته في تشويه صورتها بهجائه اللاذع، فتوجه إلى ربه ملتمسا منه المغفرة عله يغفر زلة لسانه، ومما لاشك فيه أن الشاعر هنا لم يبحث عن تقريب صورة الموصوف في أذهان المتلقي، إنما كان يبحث عن السخرية منه، لذلك لجأ إلى تشبيهه بالكلب، وهو تشبيه ينطوي على سخرية، بعبارة أخرى انه كان تشبيها إنشائيا انطوى على جمل إنشائية لا تحتمل الحكم عليها بأنها صادقة أو كاذبة، كما أن الشاعر هنا اكتفى بوصف الموصوف من الخارج، من دون الغوص في أعماق نفسه وعواطفه وانفعالاته.
أما المثال الرابع فنأخذه من الشعر العراقي الحديث، وهو للشاعر جواد الشبيبي عندما كان يداعب صديقه عبد الحسين الجواهري (والد الشاعر محمد مهدي الجواهري) معرضا بآثار القرع الذي أصابه، فيصف ذلك الرأس وصفا ساخرا، وهذا النمط من الشعر (شعر المساجلات) كان شائعا في وقته، وهو يعتمد على التفصيل في رسم الموصوف والمبالغة في تضخيم صفاته وتكرارها، فيقول:
لك رأس مرصع ومدبج
دوحة الجسم انبتت فيه بستج
روضة ينبت الشقائق فيها
أقحوانا وسوسنا وبنفسج
أيها الصقر في خدودك شعر
مشرئب كأنه ريش دعلج
ولك اللحية التي ألف بيت
من زوايا جهاتها الستر ينسج
هو ذئب إن أبصر اللحم يشوى
وإذا أبصر الحشيش تنعج
الشاعر هنا يمد يد الدعابة لتنحت رأس الجواهري وشعره ووجهه وحواجبه ولحيته، وتودع في تعاريجه كل المثالب الاخوانية بصورة دعابة ضاحكة (54) ، وان هذه المبالغة في تضخيم صفات الموصوف وتشبيهه بأشياء بعيدة عنه، كتشبيهه بالصقر وتشبيه شعره بالأقحوان والسوسن والبنفسج، ومما لا شك فيه أن الشاعر هنا لا يريد لنا أن نصدق أن الجواهري ينطوي على تلك الصفات، ومن ثم فان من العبث أن نبحث عن الصدق والكذب هنا، وأخيرا فإذا كانت هناك من كلمة هنا، فهي أن الشعر عموما يقف في وصفه موقفان؛ أما هو في موقف المديح أو الهجاء، ويندر أن نجد وصفا شعريا يخرج عن هذه المعادلة.
أما من النثر السردي، فسوف نختار مثالنا الأول من أدب نجيب محفوظ الروائي، إذ نقتطع جزءا من وصفه لأحدى شخصيات (بين القصرين) ، وهي شخصية خديجة إذ يقول: (( ورثت خديجة عن أمها عينيها الصغيرتين الجميلتين، وعن أبيها أنفه العظيم، أو صورة مصغرة منه، ولكن ليس إلى القدر الذي يغتفر له ومهما يكن من شأن هذا الأنف في وجه الأب الذي يناسبه ويكسبه جلالا ملحوظا، فقد لعب في وجه الفتاة دورا مختلفا ) ). (55) ، كما نأخذ المثال السردي الثاني من أدب محفوظ الروائي كذلك، وهو وصفه انف الحاكم في (كفاح طيبة) إذ يقول: (( وألقى الشاب"أحمس"نظرة على الحاكم وهو يمضي نحوه فلفتت نظره لحيته الطويلة، الكثة، وعيناه اللوزيتان الحادتان، وأنفه البارز الأقنى كأنه شراع قارب ) ) (56) ، والمثال السردي الثالث نأخذه من أدب الطيب صالح الروائي، وهو وصفه لأنف إحدى شخصياته في (موسم الهجرة إلى الشمال) إذ يقول: (( ورأسه بشعره الغزير متناسق تماما على رقبتيه وكتفيه. وأنفه حاد منخاراه مليئان بالشعر ) ) (57) . أما المثال الأخير فنأخذه من أدب الجاحظ الساخر، عندما وصف احد كتاب الدواوين أيام الخليفة العباسي الواثق بالله في (رسالة التربيع والتدوير)