الصفحة 12 من 18

والمثال الثالث، نختار وصف غائب طعمه فرمان لإحدى شخصياته، وهو وصف ينم عن إعجاب، إذ يقول: (( كان شهاب يزهو بما وهبه الله من قوام ممشوق أهيف وخدين أسيلين أمردين وجبين ناصع وانف مستقيم وفم متناسب مع سائر قسماته الميالة إلى الليونة والنعومة القريبة من الأنوثة وكانت له عينان غمازتان يرتفع حاجباهما الخفيان عند أول أمارة على الدهشة وتصعد جلدة رأسه إلى فوق مع ناصية شعره الناعم فتضفي على الوجه الرقيق كله نباهة مفتعلة في كلية التجارة كان الطلبة يسمونه مدلل أبيه كانت ابتسامته الزجاجية الباهتة مثل فاكهة ماسخة تلون وجهه بلون غريب على الرجولة وتكشف عن أسنان نضيدة ولكنها صغيرة وكان له صوت ناعم يحاول أن يطعمه ببعض الخشونة فيبدو مضحكا ) ) (61)

وأخيرا نختار من أدب نجيب محفوظ نختار وصفه الجمال و التناسق لإحدى شخصيات (كفاح طيبه) لنجعله مثالا رابعا، إذ يقول: (( ينطق وجهه المستطيل بالنضارة والجمال الفائق، وعيناه السوداوان بالصفاء والحسن، وأنفه المستقيم الأشم بالقوة والتناسق، فهو من الوجوه التي أودعتها الطبيعة جلالها وجمالها معا ) ) (62) .

وبالمقابل نستعين بمثالين وردا في بعض المصادر الأدبية، يمثلان الجانب الشعري من الموازنة، وهما خبران من أخبار الشعراء العرب، وهنا لابد من التنبيه لما سبق أن قلناه، وهو ندرة وجود الوصف الموضوعي في الشعر العربي، فالشاعر أما أن يمدح أو أن يهجو في وصفه، والمثالان اللذان سنوردهما يأتيان في باب المدح، وسوف نوردهما مع ما ورد معهما من أخبار؛ وأول هذين المثالين هو ما ورد بحق الشاعر قيس بن الرقيات، إذ ورد أن الخليفة الأموي عبد الملك

بن مروان عاتبه لأنه مدحه بقوله:

إن الأغرّ الذي أبوه أبو

العاص عليه الوقار والحجب

يعتدل التاج فوق مفرقه

على جبين كأنه الذهب

بينما مدح مصعب بن الزبير بقول تمنى الخليفة أن يكون فيه، وهو قوله:

إنما مصعب شهاب من الله

تجلّت عن وجهه الظلماء

ملكه ملك عِزّة ليس فيه

جَبروت ولا فيه كِبرياء

فقال له الخليفة: يا ابن قيس تمدحني بالتاج كأني من العجم!، وتمدح مُصْعَبا كأنه شهب من الله (63)

أما المثال الآخر، فهو ما ورد عن الشاعر علي بن الجهم، ذلك الشاعر البدوي الذي قضى شبابه في بيئة صحراوية قاسية، على الرغم من الشاعرية الفذة التي تتأجج في صدره، فطبعت أدبه بطابعها، وهذا الخبر ورد في كتاب أيام العرب، ننقله بتصرف: كان علي بن الجهم بدويا جافا قاسيا أثرت فيه البادية كثيرا، مع انه كان رشيق المعاني لطيف المقاصد إلا أن الحياة الجافة أثرت على ألفاظه، فذات مرة ضاقت به الحال فذهب إلى المتوكل على الله لينشده الشعر، فعندما دخل على المتوكل ومدحه وكان مما ورد في مدحه:

(( أنت كالكلب في حِفاظِكَ للود

وكالتيسِ في قراعِ الخطوبِ

أنت كالدلوِ لا عدمناك دولا

من كبار الدلا كثير الذنوب )) (64)

فعندما قال هذه الأبيات للخليفة العباسي، أجمع الحضور على ضربه لولا تدخل الخليفة نفسه، الذي عرف المتوكل مقدرة الشاعر الشعرية، لكن البداوة قد طبعت عليه، لذلك أصدر المتوكل أمرا بأن يتم منح على بن الجهم بيتا في بستان قريبا من الرصافة، وكانت تلك المنطقة خضراء يانعة، وفيها سوق، وكان علي بن الجهم يرى الناس والسوق والخضرة والنضرة، والجمال في ذلك الحي، وبعد فترة من الزمن، وبعد أن تأقلم على بن الجهم على ذلك المكان دعاه المتوكل وجمع الناس وقال لعلي بن الجهم أنشدنا شعرا. فقال علي بن الجهم قصيدة تنساب الرقة منها، وكان مما ورد فيها:

(( عيون المها بين الرصافة والجسرِ

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري ))

وبعد أن انتهى الشاعر من قصيدته، أصيب الجميع بالدهشة، فاطرق الخليفة المتوكل وكأنه خائف على علي بن الجهم. فقال له الحاضرون: ما بالك يا أمير المؤمنين. فقال: إني أخشى عليه أن يذوب رقة (65) .

على الرغم من استناد المثالين الأولين على الإعجاب والمديح، إلا أنهما لم يخرجا عن الموضوعية والواقعية، فكل جملة من جملهما تنطوي على إخبار عن صفة معينة في شخص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت