لقد كان لأعلام الصحافة جهد ملموس في الحقل العملي نهوضا بالعربية، ألفاظا وتراكيب، صيغا وأساليب، ويمكن الوقوف على شيء من ذلك من خلال الرجوع إلى أعمال هؤلاء الكتاب، ومعاينة ما تتميز به آثارهم من حرص على صحة اللغة وسلامتها وبلاغتها وفصاحتها، والالتزام بقواعدها وعدم التساهل فيها، والعمل على تيسير أساليب الخطاب بها وتحريرها مما كانت تتعثر فيه من قيود الصنعة والتكلف، وترسف فيه من مظاهر الابتذال و الإسفاف، والسمو بها إلى مراقي الفن والجمال، وقد وفر هؤلاء الكتاب بذلك للخطاب الإعلامي ما سمح له بمسايرة مستجدات العصر والتعبير عن متطلباته، مما مكنه من تحقيق المواءمة ما بين طبيعة الموضوعات المعالجة والأهداف المتوخاة، وما بين الصورة اللفظية المعبرة عنها.
وإنه من الواضح في تطبيقات النقد في الأدب العربي أن القيم التعبيرية والسمات الأسلوبية للخطاب، إنما تتشكل طوابعها استجابة لتلك القاعدة البلاغية التي أقرها النقاد العرب القدامى في تقييم فنية الخطاب، وحرص الأدباء على الوفاء بها، ومؤداها أن بلاغة الخطاب إنما تتمثل في (مطابقة الكلام لمقتضى الحال) [1] . ولكي تتحقق هذه المقولة في النص ينبغي أن تتوفر في بنائه جملة من العناصر من أهمها: (مراعاة حقائق الموضوع المعالج-حال صاحب النص-حال المتلقي- الغاية المتوخاة) .
ونلحظ أن صاحب الخطاب الإعلامي، إنما يعالج في الغالب قضايا موضوعية تتصل بمختلف مظاهر حياة الإنسان فردا ومجتمعا، ويتوجه بخطابه إلى العامة والخاصة بغرض الإفهام والإقناع والتوعية والإعلام، مما يدفعه إلى
(1) . ابن خلدون: المقدمة تحقيق د/علي عبد الواحد وافي. ط 2 القاهرة 1965.