بسم الله الرحمن الرحيم
إن الجماعة المجاهدة وهي سائرة في طريق الله ساعية في تحقيق موعود الله بحاجة لمن يأخذ بيدها لينتشلها من وهدتها، ويقيلها من عثرتها، ويقيمها على المحجة الواضحة، وإن من أهم الوسائل المحققة لتلك البغية هو (النقد البناء) فهو الدواء -رغم مرارته- من الأمراض التي تفتك ببنية الجماعة المجاهدة فتمنعها أو تعوقها عن مواصلة الطريق.
لكن الناظر في سير الجماعة المجاهد ليرى أنها وإن مارست النقد -وإن كان في بعض الأحيان ما يكون هادما- إلا أنها من جهة أخرى من أزهد الجماعات العاملة للإسلام في (قبوله) -وهذا لسببين مهمين سيأتي ذكرهما- مما نتج عن ذلك الزهد تصور خاطئ وسلوك منحرف!.
ولمعرفة ما ينتج عن التفريط في قبول النقد يحسن أن نذكر تعريفا موجزا له (فبضدها تتميز الأشياء)
فقد عرفوه بأنه: (هو الذي يقوّم به صاحبه الخطأ، ويحاول إصلاحه. وهو(واجب أو مستحب وهو الذي يحق الحق، ويبطل الباطل، ويهدف إلى الرشد) .
تأمل في هذا التعريف وانظر إلى ما يفوت الزاهد في النقد من الخير، وما يجنيه من الشر والضير.
تدرك (ضرورة الاعتناء بالنقد البناء) .
ملاحظة: سيكون كلامنا مركزا على ضرورة قبول النقد من الأعداء! تنبيها على أن قبوله من الأولياء ولا سيما إذا كانوا علماء أشد ضرورة.
ولضرورة قبول النقد في تصحيح المسيرة نرى أن الشرع قد أولاه أهمية قصوى سواء كان النقد صادرا من محب أو مبغض طالما أنه (بناء) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينا منهج الإسلام في التعامل مع النقد وإن كان من مبتدع أو كافر: (منهاج السنة النبوية -(ج 2 / ص 199) .
(والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم وأمرنا بالعدل والقسط فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلا عن الرافضي قولا فيه حق أن نتركه أو نرده كله بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق .. ) .اهـ
كما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بهذا الدواء (قبول النقد) ممن جاء به.
جاء في سنن النسائي من حديث قُتيلة بنت صيفى رضي الله عنها (( أن يهوديًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت ) ).
فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من قبول الحق (النقد) أن جاء على لسان يهود في أخطر المسائل (التوحيد) !!.
وهنا أقول: لو أن (الجماعة المجاهدة) تعاملت مع معارضيها ولاسيما الإعلام المأجور بموضوعية وإنصاف كما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع كلمة الحق الصادرة من اليهودي -كما في الحديث الذي معنا- لأمكنها ذلك من تلافي الكثير من الأخطاء، ولكن منعها من الاستفادة من ذلك أسباب عدة، أبرزها -في نظري- سببان.
أول هذين السببين: (الخلط بين الشرع المعصوم، والجهد البشري القاصر) .
وهذا من أعظم المقاتل التي تصاب بها الجماعة المجاهدة، كما أنه من أعظم الوسائل التي تصد عن قبول النقد، لأن عدم التفريق بين الوحي المعصوم الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ، وبين الحركة به في الواقع -وهي جهد بشري محض- يعتريه النقص والخلل والانحراف .. معنى ذلك (الخلط) هو إضفاء جلباب القداسة والعصمة على تلك الجهود في نفوس الأتباع مما يجعلها -حسب هذه النظرة- فوق النقد والمساءلة، إذ كيف ينتقد الشرع!! وهذا كما أنه من أعظم العوائق عن قبول النقد، فإنه كذلك من أعظم المزالق والمهاوي إلى الضلال ثم الاضمحلال، لأن ذلك يفضي بالأتباع إلى إضفاء نوع من القداسة على الجماعات والتنظيمات وهذا يقودهم بدوره -كما نرى ونسمع- إلى الغلو فيها وإنزالها المنزلة السامية التي لا تستحقها بحيث يغيب عن أذهانهم أنها وسائل غير معصومة للتمكين لدين الله، حيث تصيرها تلك النظرة الغالية (من الغلو) -تصير تلك التنظيمات- صنما يعبد من دون الله، عليه يوالي الأتباع وعليه يعادون، وهذا بعينه ما وقعت فيه الأمم السابقة (الغلو في الصالحين) الذي هو باب عظيم من أبواب الشرك بالله .. وبهذا ينحرف الجهاد عن مساره ويصبح في سبيل التنظيمات لذاتها، ويتحول من كونه وسيلة للتمكين للدين، وإلى وسيلة للتمكين للتنظيمات .. وهذا ما يؤدي إلى سفك الأنهار من الدماء المعصومة بغير حق في سبيل هاتيك الغاية الدنيئة.
ومن تأمل في تاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة التي زالت واضمحلت مثل (الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر-بعد الانحراف-) ، أو التي هي في طور الاحتضار، لوجد أن أعظم أدوائها التي أصابتها في المقتل هو هذا (الخلط) وما نتج عنه.
وهذا الخلط الحائل بين الجماعات الجهادية وقبول النقد، يشبه إلى حد بعيد الحائل الذي يحول بين (المبتدع، والتوبة) ! كما أثر ذلك عن بعض السلف الذي قال: (إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية) ثم علل ذلك بقوله: (إن المعصية يُتَابُ منها، والبدعة لا يُتَابُ منها) ، يعني أن المبتدع يظن نفسه على طاعة، وإذا كان كذلك كيف يتوب منها؟!، بخلاف العاصي الذي يعلم أنه على معصية فإنه يحاول جهده أن يستدرك بالتوبة، وإذا كان إبليس يفرح ببدعة المبتدع التي ألبسها لبوس الدين لأنه لا يتوب منها، فكذلك أعداء الأمة من شياطين الإنس كالعلمانيين والحكام المرتدين يفرحون بهفوات وسقطات الجماعات الجهادية التي ألبسوها لباس الدين لأنها بذلك علت وسمت أن ينالها النقد، وهذا ما يؤدي إلى تضخمها وتأثيرها على سير الحركة الجهادية، ولا شك أن ذلك يصب بطريق غير مباشر في مصلحة أعداء الإسلام.
ولا شك أن ضرر ذلك يعود على الجماعة التي تحسب نفسها -تأثرا بتلك النظرة- أنها على الحق والصواب، ولكن الحقيقة أنها عن الحق مصدودة، وعن باب الصواب مطرودة.
كما أن الضرر يطال كذلك (الدين) الذي تكتسي تلك الأخطاء جلبابه، وهذا ما يعني تنفير المسلمين ناهيك عن غيرهم من الإسلام وبذلك تكون تلك الجماعات عاملة في نقيض المقصود والمطلوب منها ـ الدعوة إلى الله، والتمكين لدين الله ـ
وهذا ما يجعل العناية بهذا الأمر الجلل -قبول النقد-، من أولى أولويات الجماعات الجهادية فهو الذي يقيل العثار، ويصحح المسار ..
تنبيه: إن تشبيه الحركات الجهادية -في هذه النقطة- بالمبتدعة لا يعني ذلك أنهم مبتدعة، غاية ما في الأمر أن الشيطان لبس عليهم حيث ألبس ذلك الاجتهاد البشري ثوب القداسة مما جعلهم لا يفكرون في نقده ومراجعته، كالمبتدع الذي لبس عليه الشيطان حيث أضفى على بدعته ثوب المشروعية مما جعله لا يفكر في التوبة منها أو التراجع عنها.