الصفحة 39 من 103

والحجة والبيان: هي القلم لأن المقصود بالقلم ليس هو الآلة في حد ذاتها وإنما المقصود ما هي وسيلة وذريعة إليه وهو (العلم) ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في أول ما نزل من القرآن الكريم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .

فالقلم بنص القرآن العظيم ليس مقصودا لذاته وإنما مقصود لغيره (العلم والتعليم) ، والنبي صلى الله عليه وسلم كما بعث بالسيف بعث كذلك بالعلم.

فقد روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) ).

إن مقولة أبي أسامة ( .. ولم يبعث بالقلم) هي في قوة: (لم يبعث بالعلم) وهذا هو المقصود بأن هذا الكلام فيه حط من قدر النبي صلى الله عليه وسلم.

ولو أن أبا أسامة اقتصر على قول: (وصلى الله وسلم على من بعث بالسيف) لما كان في ذلك حرج، ولما حق لنا أن نُثَرِّبَ عليه، أما أن يردفها بـ (ولم يبعث بالقلم) فهي والله الداهية، والليلة الداجية.

الطامة الثانية: أن الكلام المذكور فيه قلب لحقيقة الرسالة، فرسالة نبينا وسائر الأنبياء عليهم الصلاة السلام إنما هي لهداية البشر وليس لقتل البشر، والجهاد إنما شرع لهداية الناس وليس لقتلهم ابتداء، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ... } .

فمفهوم الغاية في الآية الكريمة أنها إذا لم تكن فتنة بأن اهتدى الناس -وهذه هي الغاية من الرسالة- فلا قتال.

وثبت في صحيح مسلم (3/ 1357) :

عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت