الصفحة 52 من 103

الخلاف) ولكنهم فتحوا بذلك الباب لمن لا يعلم أن يتكلم بغير علم وهذا بدوره ما فتح باب الشر على مصراعيه (تكفير الكتيبة والحكم بردتها) بغير برهان وكفى بهذا شرا مستطيرا.

الأمر الثاني: أن أولئك الخائضين إنما دخلوا إلى المسألة من غير بابها وهو باب (الكفر والإيمان) فنظرهم كان بعين واحدة ومن زاوية واحدة مع أن المسألة ليست كذلك وإنما هي من باب الفقه أو قل من باب السياسة الشرعية -كما سيأتي- التي يقال فيها للمخالف (أصبت أو أخطأت) وليس أصبت أو كفرت!!، و عدم التفريق بين ما هو من مسائل الخلاف إن في الفقه أو في التوحيد وجَعْلها كلها قولا واحدا تابعا للقناعات هو الذي يؤدي إلى الوقوع في البدعة المضلة (تكفير المخالف) كبدعة الخوارج وغيرهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في [منهاج السنة النبوية: 5/ 251] :

(فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون. وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرا، وقد يكون كفرا لأنه تبين له أنه تكذيب للرسول وسب للخالق، والآخر لم يتبين له ذلك، فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله، أن يكفر من لم يعلم بحاله) اهـ.

وتأمل قول شيخ الإسلام أن من أسباب وقوع أهل البدع في تكفير المخالف (أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرا) وهذا ما وقع في قضية كتيبة شهداء بوسليم حيث أن المكفر لها كفرها بما ليس بمكفر ظنا منه أنه مكفر -كما سيأتي- وهذا إنما سببه غالبا الجهل والتعصب.

ومن سبر أحوال الغلاة الأُوَل لرأى أن من أهم أسباب ضلالهم ومسارعتهم في التكفير واستحلال الدماء إنما كان جراء عدم اتساع صدورهم لمسائل يسع فيها الخلاف وإن كانت متعلقة بمسائل الكفر والإيمان وذلك إما لجهلهم بدلالاتها أو تعصبهم لها أو لكليهما مثل الذي ذكره المبرد في [الكامل: 3/ 206] أنه (جاء مولى لبني هاشم إلى نافع، فقال له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: كفرت وأحللت بنفسك، قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني .. ) اهـ.

وقد علق على هذه القصة الشيخ العلامة أبو محمد المقدسي حفظه الله بما يجلي معناها ويبين مغزاها فقال: (تأمل(كفرت) مباشرة، دون أي مقدمات، كأخطأت، أو ضللت، أو زللت .. !! وتأمل دموّيتهم ومسارعتهم في القتل والدماء وترتيب آثار حكم التكفير عليه في قول الآخر (إن لم آتك به من كتاب الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت