فهرس الكتاب
ومحل الشاهد منه قصة أبي بصير رضي الله عنه وما فعله لما رده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسولي قريش للشرط الذي شرطته عليه قريش في صلح الحديبية، فقتل أبو بصير أحد الرجلين ثم أتى سيف البحر فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ..
ووجه الدلالة فيه أن أبا بصير لم يلتزم بالعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم ولا لزمه أمان النبي لهم ولرسلهم؛ ولو لزمه شيء من ذلك لطالبت قريش النبي صلى الله عليه وسلم بدية الرجل العامري الذي قتله أبو بصير؛ ولكنهم لم يفعلوا لأن أبا بصير لم يكن داخلا تحت ولاية الرسول السياسية حين عقد العهد مع قريش أو بمعنى آخر؛ لم يكن مواطنا تابعا للدولة المسلمة رسميا وقت المعاهدة ..
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (5/ 351) : (وفي قصة أبي بصير من الفوائد جواز قتل المشرك المعتدي غيلة، ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدرا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش؛ لأنه إذ ذاك كان محبوسا بمكة .. ) قال: (وفيه أن من فعل مثل فعل أبي بصير لم يكن عليه قود ولا دية .. ) (وفيه أن شرط الرد أن يكون الذي حضر من دار الشرك باقيا في بلد الإمام، ولا يتناول من لم يكن تحت يد الإمام ولا متحيزا إليه، واستنبط منه بعض المتأخرين أن بعض ملوك المسلمين مثلا لو هادن بعض ملوك الشرك فغزاهم ملك آخر من المسلمين فقتلهم وغنم أموالهم جاز له ذلك، لأن عهد الذي هادنهم لم يتناول من لم يهادنهم .. ) أهـ.
وهذا الذي قاله في آخر كلامه ذكره ابن القيم عن شيخ الاسلام ابن تيمية حيث قال في الفوائد الفقهية لصلح الحديبية في زاد المعاد: (ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم، وسواءً دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا. والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم. وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد كما أفتى به شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه في نصارى ملطية وسبيهم مستدلًا بقصة أبي بصير مع المشركين) أهـ. (3/ 309)