-ما العمليات العضوية التي تكون الأساس المادي لنظام المعرفة هذا
ولاستعمال هذه المعرفة؟
وهذه الأسئلة قديمة، وإن لم تكن تصاغ بالصورة التي أوردت. فقد كان السؤال الأول الموضوع الرئيس للبحث في النحو الفلسفي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. أما السؤال الثاني، فهو حالة خاصة وهامة مما يمكن أن نسميه بمشكلة أفلاطون". وهذه المشكلة كما صاغها الفيلسوف البريطاني برتراند راسل (*) في أعماله الأخيرة: كيف يمكن لأفراد النوع البشري أن يعرفوا ما يعرفونه على الرغم من قصر تجربتهم مع الكون ومحدوديتها"؟
وقد أوضح أفلاطون هذه المشكلة، فيما يمكن أن يعد أو تجربة نفسية معروفة (وهي تجربة ذهنية) ، في الأقل). فقد برهن سقراط في كتابه محاورة ميئون The Mono على أن مملوكا شابا كان يعرف مبادئ الهندسة من غير سابق تدريب (10) ، وكانت طريقته في البرهنة على ذلك تتمثل في جعل المملوك يكتشف براهين الهندسة عن طريق سلسلة من الأسئلة التي كان يوجهها إليه. وتثير هذه التجربة مشكلة ما تزال تواجهنا هي كيف أمكن للمملوك الشاب أن يكتشف صدق براهين الحساب من غير أن يسبق له العلم بها أو التدريب عليها؟
أما الإجابة التي اقترحها أفلاطون لحل هذه المشكلة فهي أن المعرفة كانت موجودة بالقوة في ذهن المملوك، وأن الذي فعله سقراط لم يزد على إيقاظ هذه المعرفة من كمونها، وجعل المملوك يتذكرها بواسطة الأسئلة التي وجهها إليه. وبعد قرون عديدة، دلل لايبنز (11) على إن إجابة أفلاطون صحيحة أساسا غير أنه يجب أن تتخلص من خطة القول بالوجود المسبق. والسؤال الآن هو كيف نفسر هذا الاقتراح تفسيرا