يعبر عنها في المقامات المماثلة بالطريقة نفسها. ولذلك فإن المتحدث في الحالات السوية لا يقوم بتكرار ما سمعه، بل ينتج أشكالا تغوية جديدة، وهي في الغالب جديدة في كلام المتكلم هذا، أو حتى في تاريخ تلك اللغة، كما أن هذه الابتكار لا حدود له. ومن الأمور المهمة أن الخطابات من هذا النوع ليست سلسلة من الجمل المبعثرة، بل هي ملائمة للمقام الذي قيلت فيه من غير أن يكون هذا المقام سييا لوجودها، وذلك اختلاف
جوهري رغم غموضه. فالاستعمال السوي للغة حر وغير محدود، ومع ذلك فهو ملائم للمقامات، ويعده المشاركون في الحديث كذلك، وربما يتصرفون بكيفية مماثلة، كما توافق أفكارهم التي أثارها، أفكار المتكلم. وذلك ما حدا بالديكارتيين أن يعدوا المظهر الإبداعي الاستعمال اللغة أكبر دليل على أن كل كائن يشبهنا في المظهر لابد أن له عقلا مثل عقولنا (14)
كما استخدم المظهر الإبداعي لاستعمال اللغة حجة رئيسة لإثبات إحدى النتائج الأساسية في الفكر الديكارتي وهي أن النوع البشري يختلف اختلافا أساسيا عن أي شيء آخر في العالم المادي. فليست الكائنات الأخرى إلا آلات، وحين تنظم مكوناتها في صورة معينة وتوضع تحت ظروف خارجية معينة، فإن ما ستقوم به سيكون أمرا محتدا (أو قد يكون اعتباطيا) . أما أفراد النوع البشري، فعلى النقيض من ذلك؛ فهم إن يوضعوا في هذه الظروف لا يجبرون على سلوك بعينه، بل هم يحثون ويوجهون"، فقط، لكي يتصرفوا بتلك الصورة المحددة، كما يقول أحد شارحي الفكر الديكارتي البارزين. فتصرفهم قد يكون متوقعا، وهو ما يعني أنهم ربما يختارون القيام بالعمل الذي وجهوا وحثوا على القيام به، لكنهم مع ذلك أحرار بشكل فريد، مما يجعلهم غير ملزمين بعمل ما"