الصفحة 38 من 298

وجهوا وحثوا على عمله. ومثل ذلك أنني لو صوبت إليك مسدسا وأمرتك بأن تهتف ب يعيش هتلر"، فإنك قد تمثل لما أمرتك به إن كنت على يقين من أنني قائل محترف، لكن ذلك لا يلغي أن لديك حرية في الاختيار، وإن كنت لم تعمل بها. وليست هذه الحالة فريدة في العالم الواقعي، ففي أثناء الاحتلال الفازي، أصبح عدد كبير من الناس، بل الأغلبية في بعض الأقطار المحتلة، عملاء نشطين أو غير نشطين، لكن بعض الناس لم يصيروا كذلك. وعلى نقيض ذلك الآلة، فهي تعمل بحسب ما يمليه عليها تركيبها الداخلي والبيئة الخارجية، من غير أي خيار لها. وكثيرا ما يبرز المظهر الإبداعي لاستعمال اللغة مثالا صارخا على هذا المظهر الأساسي للطبيعة البشرية."

أما السؤال الرابع فجديد نوعا ما، بل هو ما يزال يلوح في الأفق. وتقع الأسئلة الثلاثة الأولى في حدود مجال اللسانيات وعلم النفس، وهما موضوعان لا أميز بينهما، أي أنني أنظر إلى اللسانيات (أو على وجه الدفة تلك الجوانب من اللسانيات التي أهتم بها هنا) على أنها ذلك الجانب من علم النفس الذي يهتم بالمظاهر الخاصة لهذا الموضوع، وهي التي تبينت في الأسئلة الثلاثة الأولى. وأود التأكيد هنا أنني أدخل جوانب كثيرة من الفلسفة في هذا الإطار، متبعا الممارسة التقليدية لا المعاصرة. وإذا ما استطاع اللساني أن يقدم إجابات عن الأسئلة الثلاثة الأول، فإن العالم المختص في دراسة الدماغ يستطيع حينئذ البدء في دراسة العمليات المادية التي تشي بالخصائص التي أظهرتها نظرية اللساني المجردة، أما في غياب هذه الإجابات عن تلك الأسئلة فإن المهتمين بدراسة الدماغ لن يعرفوا ما الذي يجب عليهم البحث عنه؛ فبحثهم في هذا الوجه أعمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت