الصفحة 40 من 298

وهذا الشأن معروف جدا في مجال العلوم الطبيعية. فلقد كانت الكيمياء في القرن التاسع عشر مهتمة بخصائص العناصر الكيميائية مما مكنها من الإتيان بنماذج للتركيبات الكيميائية (كحلقة جزيء البنزين) . كما طورت بعض الأفكار مثل التكافؤ الفري valence والجزئيات molecules، والجدول الدوري للعناصر periodic table . ولقد قام العلماء بكل هذا في مستوى مجرد جدا. أما السؤال عن كيفية ارتباط هذه الأفكار المجردة بالعمليات المادية الأكثر أساسية فلم يكن معروفا. فقد كان هناك نقاش مستفيض حول ما إذا كان لهذه الأفكار أي وجود مادي"، أما أنها ليست إلا خرافة مريحة يقصد بها مساعدة الباحث على القيام بالتجربة. غير أن هذا البحث النظري المجرد أوجد بعض المسائل لعالم الطبيعيات، أي جعله يسعى إلى اكتشاف العمليات المادية التي تحمل هذه الخصائص. وتجب الإشارة إلى أن النجاح الفائق لعلوم الطبيعيات في القرن العشرين أوجد حلولا أكثر تعقيدا وإقناعا لهذه المشكلات في اتجاه يشعر البعض أنه يقترب من إعطاء إجابات نهائية وكاملة".

ومن المفيد اليوم أن ينظر إلى دراسة العقل / الدماغ بالمنظار نفسه. فحين نتحدث عن العقل فإننا نتحدث في مستوى معين من التجريد عن بعض العمليات المادية فيه التي لا نعرفها الآن. ومثلنا في ذلك مثل الذين كانوا يتحدثون عن التكافؤ الجزيئي للأكسجين أو حلقة جزيء البنزين حين كانوا يتحدثون في مستوى معين من التجريد عن بعض العمليات المادية التي لم تكن معروفة في ذلك الوقت. كما مهدت اكتشافات الكيميائيين الطريق البحث الأعمق في طبيعة العمليات التحتية، فإن الاكتشافات التي يقوم بها دارسو اللسانيات النفسية تمهد السبيل لأبحاث أعمق في العمليات التي يقوم بها الدماغ، وهي أبحاث لابد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت