الصفحة 50 من 298

الذي بقي، ذلك أنها فقدت. أما الذي بقي، فليس إلا نظاما من المعرفة أي النظام المعرفي للعقل / الدماغ. ومن البين أن امتلاك هذه المعرفة لا يمكن عده قدرة على الكلام والفهم، أو نظاما للاستعداد، أو الخبرات أو العادات. فليس من الممكن أن نطرد الشبح الذي في الآلة بتجريد المعرفة، وعدها قدرة أو سلوكا أو استعدادا.

وتوضح اعتبارات أخرى مثيلة أن معرفة كيفية ركوب الدراجة أو لعب الشطرنج وغيرهما، لا يمكن أن تعد مجرد أنظمة القدرات والاستعدادات. لنفرض أن خوان الذي يعرف كيف يركب الدراجة تعرض لجرح في دماغه كان من نتيجته أن فقد هذه القدرة كلها (من غير أن تتأثر قدراته العضوية الأخرى) . واستطاع بعد ذلك أن يستعيد هذه القدرة نتيجة لبرء الجرح. وهنا نرى أيضا أن شيئا بقي لم يتأثر بالجرح الذي تسبب في فقد القدرة إلى حين، وذلك هو النظام المعرفي الذي تقوم عليه معرفة كيفية ركوب الدراجة؛ فلا يمكن أن يكون هذا أمرا من أمور القدرة، أو الاستعداد أو العادة أو المهارة.

ولتحاشي هذه النتائج، أضطر الفلاسفة الذين يرون أن المعرفة هي القدرة إلى القول بأن خوان الذي فقد القدرة على تعلم الأسبانية وفهمها، نتيجة لجرح الدماغ، قد احتفظ بهذه القدرة فعلا. أما الذي فقده، فهو القدرة على استعمالها (1) . وواضح أن لدينا الآن تصورين للقدرة، يشير أحدهما إلى القدرة التي فقدت والآخر إلى القدرة التي بقيت. غير أن التصورين مختلفان، إذ يتماشى الأول مع معنى القدرة في الاستعمال الطبيعي العادي. أما الثاني، فهو تصور جديد مخترع كي يتضمن خصائص القدرة كلها. فلا غرو إذن أن نستنتج من هذا أن المعرفة هي القدرة بهذا المعنى الجديد المخترع الذي ليس له صلة بمعناها الطبيعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت