الصفحة 15 من 22

للغالب الشائع لا النادر [1] ، وهذا يعني أن الأصل فيمن يحمل هذه الراية أنه على المعنى الأول لا الثاني، وأنه برفعه لهذا العلم لا يكون قد فعل محرمًا، فضلًا عن أن يكون قد وقع في الكفر، وهذا يقتضي عدم تكفير أو تأثيم من يرفع هذا العلم حتى يظهر لنا مقصده من رفعه له، فإن كان قصده معاداة الإسلام فيكون الحكم عليه حينها لأجل معاداته للإسلام لا لأجل رفعه لهذا العلم.

لكن هذا لا يمنع أننا نرى أن من رفع علم الثورة قد خالف الأَولى، والقرآن يرشدنا لفعل الأَولى وعدم مخالفته، كما في قول الله إنكارًا على من فعل ذلك: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [2] .

وكما لا يصح تأثيم أو تكفير من رفع هذا العلم فكذلك لا يصح القول بأن من قاتل تحت هذا العلم فقد قاتل تحت راية عمية، وأن قتلته جاهلية، استدلالًا بقول رسول الله (كما في مسلم: {مَنْ قَاتَلَ تَحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَو يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَو يَنْصُرُ عَصَبَةٍ، فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ} [3] ، فهذا فهم خاطئ لمراد النبي (.

قال النووي ~: ( {مَنْ قَاتَلَ تَحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ} هي بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان والميم مكسورة مشددة والياء مشددة أيضًا، قالوا: هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور) [4] .

وقال الشيخ عطية الله الليبي -تقبله الله-: (وها هنا مسألة: وهي من قاتل تحت راية(علم أو بيرَقٍ أو لواء أو بنْدٍ) لدولة أو جماعة هي على غير الحق, لكنه لا يقاتل لهذه العصبة ولا ينصر هذه العصبة ولا يدعو إليها, وإنما اتفق أنه قاتل معهم لغرض صحيح في نفسه، ويُتَصَوَّرُ ذلك في بعض الأحوال ... فهذا بلا شك لا يدخل تحت قوله: {مَنْ قَاتَلَ تَحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ .. -إلى قوله- فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ} ؛ لعدم وجود القيد والصفة التي بيناها، فمعنى الحديث إذن: من قاتل تحت راية عمية بهذا الوصف وهذا الشكل (المبين في نص الحديث) , فمات في تلك الحال فإنه عاصٍ مرتكبٌ كبيرةً .. والله أعلم) [5] .

(1) المقصود أن الحكم العام للغالب الشائع، وأما القلة فلها حكم خاص بها لا يتعداها إلى غيرها، ولا يؤثر فعلها على أصل حكم العلم بالتغيير.

(2) البقرة: 61.

(3) صحيح مسلم، 53/ 1848.

(4) صحيح مسلم بشرح النووي، 12/ 257.

(5) مجموع الأعمال الكاملة للشيخ عطية الله الليبي، 2/ 690، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت