ولأجل ذلك كانت هذه الألفاظ محتملة الدلالة عند المتكلمين بها، فمنهم من يريد بها معنىً كُفْريًَّا، ومنهم من يريد بها معنىً موافقًا للشريعة، لكنه لا يحسن التعبير بغير هذا، أو أنه يظن أن استعمال مثل هذه المصطلحات لا يتعارض مع الشرع.
فلفظ الوطنية من جهة وضوح وخفاء الكفر فيه عند الناس ليس كلفظ النصرانية واليهودية والإلحاد وغيرها من الألفاظ واضحة الكفر.
فينبغي أن نراعي أفهام الناس في ذلك، وننظر إلى مقاصد المتكلمين، فليس كل الناس يفهم هذه الألفاظ على حقيقتها كما يفهمها من يعلم ماهيتها.
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول للجهمية: (لو قلت بقولكم لكفرت، لكنكم عندي جهال) .. فعذرهم بجهلهم، وهذا من فقهه رحمه الله.
وهذه من المسائل الدقيقة في الحكم على الناس من خلال أقوالهم وأفعالهم، وهي أن ننظر إلى المعنى الناشئ في نفس المتكلم، أهو إرادة مصادمة الشريعة أم إرادة موافقتها، وهذا يدخل في معنى ما يعبر عنه الفقهاء بالقصد، وهو من شروط التكفير.
فإن كان مقصد المتكلم إرادة مصادمة الشريعة فهذا من المعاندة وحكمه الكفر، وأما إن أراد موافقة الشريعة لكنه أخطأ في ذلك، فهذا هو المتأول، وهو معذور -لكن هذا العذر ينتفي بحصول العلم وانتفاء الجهل ولا شك، وهذا له ضوابط يعرفها أهل العلم-.
ولهذا عذر الفقهاء بعض المتكلمين في باب الأسماء والصفات، لإرادتهم تنزيه الله - سبحانه وتعالى -، مع أن حقيقة كلامهم أنهم وقعوا في التعطيل!
وهذا لا يتعارض مع قول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم وغيره: (وبالجملة؛ فمن قال أو فعل ما هو كُفرٌ كَفَرَ بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله) .
لأن مقصد شيخ الإسلام من قال أو فعل أمرًا نشأ في نفسه على معنى مصادمة الشريعة، وإن لم يُرد الكفر بذلك.
ومثال ذلك فعل إبليس، فإبليس عصى ربه على معنى كفريّ نشأ في نفسه، وهو الكبر على الله وعدم الانقياد له وتقديم رأيه على أمر ربه، فكفر بذلك، مع كونه لم يرد الوقوع في الكفر، لكنه أراد أمرًا هو في شرع الله كُفر، وأراده على الوجه الكفري فيه.
بعكس آدم # الذي وقع في المعصية أيضًا، لكنه وقع فيها ونشأت في نفسه على معنى ليس بكفري، فلم يكفر بذلك، وتاب الله عليه.
وهذا ليس من باب التنقيب في النوايا، وإنما هو من الأخذ بظاهر أحوال الناس والقرائن والسياق وغير ذلك مما هو معلوم في باب الحكم على الأعيان والنظر في مقاصدهم.