الصفحة 5 من 17

ليست الوطنية هي الأصل في حياة المسلمين كما يتوهم البعض، بل الأصل أن المسلمين جميعًا كانوا أمة واحدة، وكان وطن المسلم هو جميع بلدان المسلمين، فينتقل المسلم بين سوريا والأردن وفلسطين والمغرب وتونس والجزائر وليبيا ومصر والجزيرة والأندلس وغيرها من دول الإسلام دون أدنى مشكلة، ويعيش في أي مكان يريده تحت سلطان الخليفة دون مساءلة، وجميع المسلمين كانوا سواسية تحت هذا السلطان، العرب منهم والعجم على حد سواء.

ولا ينتسب الناس لأوطانهم إلا على سبيل التعريف لا التمييز، فيقال هذا دمشقي وهذا مدني وهذا كوفي وهذا فلسطيني وهذا أندلسي وهذا باكستاني، وغير ذلك، على سبيل التعريف لا العصبية والتمييز.

ثم لما ضَعُفَ المسلمون وانهزموا أمام أعدائهم، قام هؤلاء الأعداء بتقسيم هذا الوطن المسلم الكبير إلى أوطان صغيرة، فجعلوا لكل بلد حدودًا مصطنعة، تفصل بين المسلم وبين أخيه المسلم في البلد المجاور، رغم أنهم قبل الانتصار كانوا يعيشون كبلد واحد، ولا يعرفون هذه الحدود المستحدثة!

بل وعمدوا إلى بعض البلاد فقسموها إلى أكثر من بلد، وعُرِفَ هذا فيما اشتهر بين الناس باتفاقية"سايكس-بيكو".

ولأجل تكريس هذه الحدود ومنع المسلمين من هدمها والعودة إلى وحدتهم السابقة قبل الهزيمة، قام أعداء الإسلام بنشر مذهب"الوطنية"في بلدان المسلمين وترسيخه في نفوس الناس.

فبعد أن كان السوري واللبناني والأردني والعراقي والفلسطيني إخوة، يعيشون بلا حدود تفصل بينهم، أصبح كل منهم يتعصب لوطنه المستحدث، وينظر لأخيه المسلم من الوطن"الآخر"نظرة التحفز كما لو أنه عدو، فاختلت موازين الولاء والبراء في نفوس الناس.

بعد أن كان المسلم السوري والمسلم الأردني والمسلم الحجازي والمسلم العراقي إخوة لا يعرفون فروقًا تفصل بينهم، وينظرون لبعضهم نظرة الوحدة والأُخوة والانسجام، بينما ينظرون لغير المسلمين ممن يعيشون معهم في نفس بلدانهم نظرة دونية، اختلت الموازين في نفوس الناس.

فأصبح المسلم السوري يحب النصراني السوري أكثر مما يحب المسلم الأردني أو العراقي أو المصري، وكذلك العكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت