{الفصل الرابع}
استنباط الحكم من الدليل هو اجتهاد مطلق في هذا الدليل
"فاقطعوا"وفى حد الزنا"فاجلدوا"يريد أن يجعل الأمر فيها للإباحة وليس للوجوب، والذى يريد نقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد للمصالح المرسلة، ناهيك عن إلغاء رخصة القصر في السفر بانتفاء العلة، وتحريم الزواج بأكثر من واحدة لدرء المفاسد [1] ... إلخ من العبث بدين الله عز وجل والقول عليه بغير علم وهو أصل الشرك والكفران، وأساس البدع والعصيان كما يقول الشيخ بكر أبو زيد"ولنقل هنا إن أصل الشرك والكفران، وأساس البدع والعصيان، وما هو أغلظ منها ومن جميع الفواحش و الآثام، والبغى والعدوان: القول على الله تعالى بلا علم."
والدليل قوله تعالى في سورة الأعراف:
"قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منه وما بطن و الإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا و أن تقولوا علي الله ما لا تعلمون"فهذه المحرمات الأربع تحريمها لذاتها تحريمًا أبديًا في جميع الشرائع والملل، ومراتب الشدة فيها في الآية الكريمة على سبيل التَّعلى، فقال الله سبحانه:
"قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن"هذا أولها، ثم ذكر سبحانه ما هو أعظم فقال:"والإثم والبغى بغير الحق"ثم ذكر سبحانه ما هو أعظم فقال"وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا"ثم ذكر ما هو أعظم فقال:"و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون"إذ القول على الله بلا علم هو أصل الشرك والكفر والبدع المضلة والفتن الجائزة" [2] أ. هـ"
والمناقشة العلمية لهذا الأمر تستلزم أن نوضح أن له طرفين ووسط، طرف اتخذ التقليد دينًا من دون دين الإسلام الذى هو الانقياد لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم- وانقاد لفقيه أو متبوع أو مطاع من دونهما و أصبح لا يرى الحق إلا ما قاله و أن ما قاله صواب لا يحتمل الخطأ بحال من الأحوال و أصبح قوله صراحة أو ضمنًا"كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهى مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ" [3] .
(1) - راجع هذه الأمثلة - عفوًا المصائب- وغيرها والرد عليها ومناقشتها في كتاب د. يوسف القرضاوى"الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط"ص 46 - 85. دار التوزيع والنشر الإسلامية.
(2) -"التعالم و أثره على الفكر و الكتاب"بكر أبو زيد ص 129، 130. دار العاصمة، الطبعة الرابعة 1418 هـ.
(3) - هذا الكلام ينسب للكرخى من الحنفية، ويمكن الاعتذار عنه بأنه يقصد أن أصحابه (الحنفية) لم يتركوا الآية أو الحديث إعراضًا عنهما ولكن لأن حالهما كما ذكر من التأويل أوالنسخ، فكأنه ينفى تهمة ترك النصوص للرأى عن أصحابه، وهذا التأويل وإن كان أخف من ظاهر الكلام ولكن يؤخذ عليه ادعاء الكمال في المذهب ولا يخلو مذهب من نقص وخطأ.