لا شك أن هذا مجون مرذول من قاضى القضاة، لا يصدر إلا عن الفساق المستهترين." [1] أ. هـ"
(لنستعرض أقوال العلماء حول هذه الأمور ولنحاول الوصول لإجابة عنها)
ولكن قوله هذا طرح لنا صورة رابعة إضافة للصور الثلاثة التى ذكرناها في العمل بالدليل مباشرة [2] ، وهى أن أعمل بما فهمته من ظاهر الدليل قرآنًا كان أو حديثًا بشرط أن يكون عمل بهذا الظاهر عالم مجتهد، أو بمعنى آخر - مطابق تمامًا- أن أقوم بترجيح قول عالم على عالم بما فهمته من ظاهر الدليل؟ وسنناقش - بإذن الله- هذه الصورة بنوع تفصيل بعد الفراغ من مناقشة الصورتين الأوليين (الصورة الثالثة اتفقنا أنها خارج النقاش) وذلك لأنه أثناء هذه المناقشة سيتضح - بحول الله وقوته - أن هذه الصورة الرابعة، لا تختلف كثيرًا أو قليلًا عن سابقتيها (الأولى والثانية) وإن كانت أخف منها حدة، ولكن نظرًا لأن كلام ابن تيمية هنا يوهم أن هذه الصورة جائزة لكل أحد بإطلاق لزم بيان كلامه - هو خاصة - فيها، قبل استطراد النقاش على الصورتين الأوليين فنجد أن القولين السابق نقلهما عن ابن تيمية، وردًا في رسالة له بعنوان"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"ضمن مجموع الفتاوى، يتحدث فيها عن الأعذار التى تلتمس للعلماء إذا ظهر لنا مخالفتهم"لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- في شئ من سنته دقيق أو جليل وذلك لأنهم"متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولكن إذا وُجد لواحد منهم قول قد جاء الحديث الصحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه" [3] أ. هـ، وبعد أن ذكر من الأعذار عشرًا ذكر الكلام الذى نبحث فيه الآن ثم فصَّل في أن المخطئ من المجتهدين لا يأثم بخطئه خلافًا للمريسى و أضرابه من معتزلة بغداد وضرب أمثلة لمن اجتهد من الصحابة فأخطأ ولم يؤثمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال"... بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل فاغتسل فمات، فإنه قال: قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العِىِّ السؤال" [4] فإن هؤلاء أخطأوا بغير اجتهاد إذ لم يكونوا من أهل العلم [5] أ. هـ"
(1) - الموافقات للشاطبي جـ 3 ص 76، 77 (الهامش)
(2) - وهي في الحقيقة متفرعة عنهم، فهى مجرد قيد موضوع عليهم.
(3) - مجموع الفتاوى جـ 20 ص 232
(4) - رواه أبو داود 336 وحسنه الألباني ورواه ابن ماجة والدارقطنى وصححه ابن السكن وقال الشوكانى عنه"... وقد تعاضدت طرق حديث جابر فصح للاحتجاج به على المطلوب وقوى بحديث علىّ ..."نيل الأوطار جـ 1 ص 321
(5) - مجموع الفتاوى جـ 20 ص 254