الصفحة 24 من 42

{الفصل الرابع}

التمذهب

المذهب لغة: المذهب عرفًا: الخلاصة: فالمقصود بالتمذهب هنا

وفى كلام النووى السابق هذا مناقشة قضيتين هامتين مرتبطتين بمسألة التمذهب القضية الأولى قضية عدم وجود التمذهب بصورته المعروفة الآن في عهد الصحابة ومن بعدهم إلى عهد الأئمة الأربعة، وقد رد من أوجب التمذهب على هذا بردود مجملها بأن هذا من قبيل المصالح الشرعية المعتبرة مثل توحيد الناس على مصحف عثمان - كما أشار إلى ذلك ابن رجب فيما نقلناه عنه سابقًا [1] - ويضاف إلى ذلك أن بذرة التمذهب - كما نقلنا من كلام الشيخ بكر أبو زيد [2] ، كانت موجودة منذ بدايات عهد التابعين حيث كان يعتمد أهل مكة على فتاوى ابن عباس وأهل المدينة على فتاوى ابن عمر رضى الله عنهم جميعًا، فالتمذهب لو وضع في سياقه الصحيح - وهو البحث عن أفضل العلماء في ظن العامى ليقلده ابتداءً أو بعد معرفه الخلاف- يصعب نفى وجوده في هذه الأعصار خاصة عند المعرفة بالخلاف كما سبق ونقلنا من تعليق د/ عبد الله داز على كلام الآمدى [3] . ولكن الصورة المطورة منه وهى وجود كتب خاصة بكل مذهب وعلماء على درجات متفاوته من أهلية الإفتاء منتسبين للمذهب هى التى لم تكن موجودة، ولكن الفارق من الناحية الموضعية ليس كبيرًا ولا مؤثرًا، فلو تصورنا جمع مسائل وفتاوى ابن عباس رضى الله عنهما في كتب، وقام علماء قاصرون عن درجة الاجتهاد المطلق بدراستها، ووضع أصول وقواعد لها والتخريج عليها لوُجد كثيرون ممن يتبعونها من العوام تقليدًا مشروعًا لابن عباس رضى الله عنهما، ولأصبح عندنا مذهب ينسب لهذا الصحابى الجليل، ولكن هذا أمر لم يحدث وقتها، وتأخر إلى مجئ الأئمة الأربعة، ويجرنا هذا الكلام إلى القضية الثانية وهى إن كان الواجب تقليد الأفضل والتمذهب بمذهبه فلماذا لا يُتَمَذهب بمذهب أبى بكر الصديق رضى الله عنه مثلًا أو غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أغفل كثير من العلماء - فيما اطلعت عليه من كتبهم - الإجابة عن هذا السؤال اكتفاءً منهم بما يشبه

(1) - راجع ص 87 من هذا المؤلف.

(2) - راجع ص 337 من هذا المؤلف.

(3) - أنظر ص 329 من هذا المؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت