الصفحة 5 من 42

{مقدمة}

يسهل على أىٍّ منا أن يرجع إلى الصفحات الأخيرة من أى كتاب من كتب أصول الفقه ليجد هناك بابًا يتحدث عن مسائل التقليد وماذا يفعل المقلد عند اختلاف المفتين وكيف يعرف المقلد العالم من غيره .. إلخ من مسائل الباب المشهورة، ولكن هناك تنتظره مفاجأة وهى شدة الاختلاف حول هذا الأمر بل وقد ينسب إلى بعض الأئمة القول ونقيضه تمامًا ويكون الترجيح في غاية الصعوبة والمشقة، وهنا يثور سؤال في أذهاننا جميعًا: ما العمل وكيف السبيل؟ خاصة وأن هذه ليست مسألةً فقهيةً أو حتى أصولية واحدة، بل هو منهج كامل حيث ينبنى على اختيار أحد هذه الأقوال سير حياة المرء بكاملها سواء من الناحية العقائدية أو من الناحية العملية (أى الأحكام الشرعية العملية) ، بل ويتعقد الأمر أكثر عندما يكون السؤال هو: هل أدخل أنا أصلًا تحت هذا الباب أى باب التقليد أم أنى طالب علم متبعُُ للدليل؟

وهنا وهناك تكمن الأهمية الكبيرة للدقة والتأنى في هذا الاختيار والخطر العظيم الذى ينبنى على الضلال فيه.

وجديرُ ُ بالذكر هنا أن باب التقليد والاجتهاد في كتاب"الموافقات"للشاطبي [1] من أفضل ما قرأت في هذا الأمر، حتى أن فكرة هذا البحث أساسًا كانت محاولة تبسيط هذا الباب ليكون في متناول الجميع ولكن بعد اطلاعى على الكثير الكثير من كتب الأصول التى تتحدث حول نفس الأمر وجدت أنه بالإمكان إضافة الكثير - لتوضيح هذا الأمر - إلى كتاب الموافقات، والله المستعان.

وأود أن أوضح هنا - كما أشرت آنفًا - أنى سأعرض بإذن الله الأمر من منظور مختلف نوعًا ما عما في كتب الأصول بمعنى أنه لن يكون همى الأساسى عرض الأقوال الخلافية وترجيح أيًا منها على الآخرين والرد على الأقوال المرجوحة، فهذا أمر قد كفيته سواء في كتاب"الموافقات"أو في غيره من كتب الأصول وإن كُنت سأعَّرج

(1) - الشاطبى: هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمى الغرناطى أبو إسحاق، الشهير بالشاطبى الإمام العلامة الحافظ المجتهد، كان أصوليًا مفسرًا، فقيهًا، محدثًا لغويًا بيانيًا، زاهدًا سنيًا، بارعًا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات، وأكابر الأئمة المتفننين الثقات، له القدم الراسخ فقهًا وأصولًا وتفسيرًا وحديثًا، وعربية وغيرها، له استنباطات جليلة ودقائق منيفة وأبحاث شريفة وتآليف عظيمة مشتمل على أبحاث نفيسة، وانتقادات وتحقيقات شريفة توفى سنة 790 هـ. راجع هذا الكلام وغيره في ترجمته في الإعلام للزركلى، فهرس الفهارس، معجم المؤلفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت