الصفحة 153 من 306

وسلم - هي في كونه أول المسلمين، وليست في التكليف ذاته، الذي هو تكليف لكل مسلم يشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

وكذلك فهمت الأجيال الأولى معنى العبادة كما فرضها الله ..

كان إحساس المسلم في تلك الأجيال بواجبه في الجهاد في سبيل الله كإحساسه بواجبه في الصلاة. هنا يعبد الله وهناك يعبد الله. ولا تغني إحدى العبادتين عن الأخرى، لأن كلا منهما - بمفردها - لا تحقق المعنى الكامل للعبادة التي يريدها الله.

وكان إحساسه بضرورة الزواج لكي يحصن نفسه من الفاحشة، ولكي يتخذ السبيل إلى تكثير الأمة المسلمة التي تجاهد لاقتلاع الشرك من الأرض، ونشر التوحيد وإقامة شريعة الله في ربوعها، هو إحساس العبادة. ولا يتناقض في حسه معنى العبادة مع الإحساس بمتعة الجسد ما دامت في حلال أباحه الله. ولما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وفي بضع أحدكم صدقة"دهشوا بادئ الأمر، وقالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليأتي زوجه شهوة منه ثم يكون له عليها أجر؟! فبين لهم الرسول المعلم - صلى الله عليه وسلم: قال:"أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فإذ وضعها في حلال فله عليها أجر" [1] ومن ثم لم يعودوا بعد ذلك يدهشون. وعلموا أن نشاط الجسد الطبيعي هو في الإسلام عبادة ما دام يبتغي فيه وجه الله، ويلتزم فيه بأوامر الله.

كذلك كان إحساس المسلم بسعيه في طلب الرزق، وطلبه للعلم، وعمارته للأرض، وكل نشاط جسده وعقله وروحه .. كلها عبادة. عبادة على الحقيقة لا على المجاز. عبادة يقوم بها بذات الإخلاص الذي يؤدي به الصلاة.

(1) أخرجه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت