الصفحة 156 من 306

وقد ترتب على هذا التصور الخاطئ إخراج لا إله إلا الله بكل مقتضياتها الاعتقادية والسلوكية من دائرة العبادة، فأصبحت العبادة تبدأ في - حس الناس - بالصلاة، ولا تبدأ بلا إله إلا الله!

ولقد كان مبدأ التفرقة في أول الأمر قضية"اصطلاح". فلا إله إلا الله"عقيدة"، والشعائر"عبادات"ومع خطورة هذه التفرقة الاصطلاحية في ذاتها - كخطورة التفرقة الاصطلاحية بين"العبادات"و"المعاملات"- [1] فإن الخطر كان محدود الأثر في بادئ الأمر حين كانت"العقيدة"تؤخذ بمعناها الحقيقي الذي نزلت به من عند الله، وفهمه السلف الصالح، وهو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وما يقتضيه ذلك في حياة الإنسان اعتقادا وفكرا وسلوكا .. فأما حين عمل الفكر الإرجائي على اختزال عقيدة التوحيد، وإفراغها من مضمونها الحيّ كله، وحصرها في مجرد التصديق للنجاة في الآخرة، والإقرار اللفظي للنجاة في الدنيا .. فقد تقلص جانب ضخم من"العبادة"الحقيقية التي افترضها الله على العباد، وأصبح الباقي منها - حتى لو أُدِّيَ على أكمل صورة - قاصرا على أن يوفي المعنى الحقيقي للعبادة التي خلق الله الخلق من أجلها، وقال عنها سبحانه:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [2]

(1) فرق علماء الإسلام تفريقا اصطلاحيا بين"العقيدة"و"العبادات"و"المعاملات"لمقتضيات"علمية"تخصصية، ولكن كان في حسهم أن"الدين"يشملها كلها، ولا يقتصر على أيٍّ منها، وأن أي واحدة منها - بمفردها - لا تمثل الدين سواء في شموله وتكامله، أو في كونه مفروضا على الناس للالتزام والتنفيذ .. ولكن حين حدث التخلخل خلال المسيرة التاريخية أثرت هذه التفرقة الاصطلاحية تأثيرا سيئا في مفاهيم الناس، حين اقتصر مفهوم"العبادة"على أداء الشعائر التعبدية فحسب، وخرجت منها العقيدة والمعاملات.

(2) سورة الذاريات [56] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت