الصفحة 161 من 306

ولكن الاستبداد السياسي الذي بدأه الأمويون في حياة الأمة الإسلامية منذ وقت مبكر، مضافا إليه التفلت التدريجي من التكاليف، والصوفية التي أنشأتها ظروف معينة في حياة الأمة، والفكر الإرجائي الذي حصر الإيمان - الذي يدخل به الناس الجنة - في التصديق والإقرار .. كل هذه العوامل مجتمعة حصرت العبادة في حس الناس في الشعائر التعبدية فحسب، وأصبح الإسلام في حس الناس أقرب إلى أن يكون ممارسة فردية يقوم بها كل إنسان بمفرده، حين بعد الناس عن ممارسة"العمل السياسي"الإسلامي، وهو أبرز ما تقوم به الجماعة المسلمة من الأمور، وهو الذي استحقت من أجله وصف الله لها بأنها خير أمة أخرجت للناس.

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [1]

وحين خرج العمل السياسي من دائرة العبادة تخلخلت أول عروة من عرى الإسلام - عروة الحكم - وإن كانت لم تنقض تماما في مبدأ الأمر، فقد بقي الناس في المجتمع الإسلامي يتحاكمون إلى شريعة الله، لا يرون غيرها شريعة واجبة الطاعة ولا واجبة التنفيذ. ولكن صحب تحكيم شريعة الله جور من الحكام ومظالم تجعل التطبيق غير كامل كما أوجبه الله ونفذه السلف الصالح .. ومرت قرون من هذا التحكيم المصحوب بالجور والظلم حتى نقضت تلك العروة تماما في العصر الحديث حين نحيت شريعة الله عن الحكم أصلا واستبدلت بها شرائع البشر، فكانت أول عرى الإسلام نقضا كما قال الصادق الصدوق - صلى الله

(1) سورة آل عمران [110] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت