الصفحة 162 من 306

عليه وسلم:"لتنقضن عرى هذا الدين عروة عروة، فأولها نقضا الحكم، وآخرها نقضا الصلاة" [1]

ومع وجود العوامل التي أشرنا إليها، والتي أخرجت العمل السياسي من دائرة العبادة، لم يكن من المتوقع أن يقف الانحسار في مفهوم العقيدة ومفهوم العبادة عند هذا الحد. إنما كان المتوقع أن يسري الانحسار تدريجيا إلى بقية أنواع العمل، فأُخرجت تدريجيا من دائرة الإيمان ودائرة العبادة، لا بمعنى أن الناس لم يعودوا يعملون، فالإنسان لا يمكن أن يكف عن العمل في الحياة الدنيا، وقد خلقه الله للكدح الدائم فيها:

(يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) [2]

إنما بمعنى أن العمل في الحياة الدنيا انفصل في حس الناس عن دائرة الإيمان حين انحصرت هذه في التصديق والإقرار، وعن دائرة العبادة حين انحصرت هذه في الشعائر .. فصار للعمل ركيزة أخرى غير العبادة، لتكن هي الكسب، أو هي الاقتناء والملك، أو هي الغلبة والسيطرة، أو هي المتاع الحسي أو المتاع المعنوي .. أو أي دافع من الدوافع"الذاتية"التي تدفع الإنسان للإنتاج والعمل غير مرتبطة بالإيمان بالله أو التعبد إليه .. وصار في حس الإنسان أنه حين"يعبد"ينقطع عن العمل، وحين"يعمل"ينقطع عن العبادة، وصارت له ساعتان منفصلتان تماما لا يربط بينهما رابط: ساعة العمل وساعة العبادة، فضلا عن ساعة ثالثة خارج العمل والعبادة جميعا، هي ساعة اللهو أو الترويح - بريئا أو غير بريء! -

(1) أخرجه أحمد.

(2) سورة الانشقاق [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت