فهرس الكتاب
كان الكدح - وهو العمل في واقع الحياة - هو العبادة الدائمة التي يقوم بها المسلم، والتي يتزود - من أجل القيام بها - بذلك الزاد الروحي العميق الذي تمنحه إياه الشعائر التعبدية، حين يقوم بها على صورتها الحقة، من الخلوص إلى الله، والتجرد إليه، والخشوع والخشية والإخبات.
وكانت العبادة في ذلك الكدح تتمثل في أمرين رئيسيين:
التوجه به إلى الله، والالتزام فيه بما أنزل الله، ومن ثم يتحول لتوه إلى عبادة يتقرب بها إلى الله، ويستحق عليها الثواب من عند الله.
وأما الترويح فقد كانوا يرون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يداعب أزواجه ويدخل السرور على أهله، ويتبسط مع أصحابه - رضوان الله عليهم - ويصحبهم إلى جلسة في بستان أو رياضة إلى خارج المدينة، وتقام بين يديه مباريات في الفروسية .. وكان يدعوهم ويوجههم إلى ما يجلو الكلل والملل عن قلوبهم في غير مأثم ولا استغراق يطغى على الواجبات، فكانوا يستشعرون أن الترويح على هذه الصورة - حين تسمح به ظروفهم المكتظة بالأعباء - منشّط للعبادة ومعين عليها، ومن ثم فهو داخل في إطارها ..
وهكذا يقضون الحياة كلها في عبادة .. عبادة تشمل نشاط الروح كله، ونشاط العقل كله، ونشاط الجسد كله، ما دام هذا كله مُتَوجَّهًا به إلى الله، وملتَزَمًا فيه بما أنزل الله .. وهي في الوقت ذاته عبادة لا تعنت الإنسان ولا تكلفه ما لا طاقة له به، لأنها تأخذ نشاطه الطبيعي، الذي يمكن أن يصدر عنه بحكم تكوينه ذاته، فتحوله إلى عبادة بتلك اللمسة البسيطة العميقة في ذات الوقت، التي توجهه إلى الله، وتبتغي به مرضاة الله.