الصفحة 165 من 306

وهذا هو المفهوم الصحيح للعبادة كما أنزله الله .. المفهوم الشامل الواسع العميق:

(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ .. ) [1]

وحين كان الأمر على هذا الفهم الذي فهمه الجيل الأول من كتاب الله ومن تعليم رسوله - صلى الله عليه وسلم - لم تكن هناك دوائر مغلقة في حياة المسلم ينتقل من واحدة إلى الأخرى ساعة بعد ساعة .. ولم تكن"العبادة"مجرد ساعة من الساعات، يخرج المسلم منها إلى غيرها .. إنما كانت هناك دائرة واسعة شاملة، ينتقل الإنسان في مختلف جوانبها من نشاط إلى نشاط، وهو في جميع الأحوال قائم أو متحرك في داخلها يعبد الله:

(يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ .. ) [2]

ولم يكن ذلك تطوعا منهم يتفردون به، ويعفى غيرهم منه .. إنما كان هو الفهم الصحيح للعبادة، والممارسة الصحيحة لها، ثم يتفاضلون فيما بينهم لا في هذا الجوهر المشترك، وهو شمول العبادة لكل ألوان نشاطهم، إنما يتفاضلون في القدر الذي يجتهد كل منهم في تحقيقه في شتى مجلات العبادة، بمقدار ما يوفقهم الله.

وكانت الشعائر تلقى منهم حفاوة بالغة كما قلنا، لا باعتبارها هي مجال العبادة الأوحد فيصبّوا فيها كل وجداناتهم، وكل مشاعرهم، وكل حضورهم

(1) سورة الأنعام [162 - 163] .

(2) سورة آل عمران [191] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت