الصفحة 166 من 306

الروحي، وكل خشوعهم وإخباتهم لله .. إنما لأنها في حسهم - كما هي في الحقيقة - محطات التزود، التي يتزود فيها الإنسان بالزاد لبقية الطريق .. أو النبع الذي يجدد الطاقة للقيام ببقية العبادة المفروضة على الإنسان .. وكلما نفد الزاد أو كاد يكون المسافر قد أتى إلى المحطة التالية يتزود فيها للمشوار الجديد ..

الصلاة زاد يومي يتكرر خمس مرات في اليوم والليلة. والصيام زاد سنوي مركّز مجمّع يستغرق شهرا كاملا يتقلب فيه الإنسان من عبادة إلى عبادة إلى عبادة. والزكاة موسم أو مواسم سنوية يتطهر فيها الإنسان من الشح، ويمارس العطاء الروحي والمادي. والحج موسم في العمر يتجرد فيه الإنسان من متاع الأرض الزائل كله، ويقبل على الله .. وكلها زاد .. لبقية الطريق .. والعبادة تشمل كل الطريق ..

ولننظر في بعض النماذج من سلوك الصحابة - رضوان الله عليهم - لندرك هذه الحقيقة العميقة الدقيقة، وهي شمول العبادة في حسهم لكل عمل وكل فكر وكل شعور، وكل لحظة من لحظات العمر، وعدم اقتصارها على لحظات معينة هي التي تؤدى فيها الشعائر التعبدية ..

خذ هذا الأعرابي الذي أعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمه من الغنائم فقال: ما على هذا اتبعتك! ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال: إن تصدق الله يصدقك [1] .

ألم يكن في قمة العبادة وهو يفعل ذلك؟! وما كان في لحظتها يؤدي شعيرة من الشعائر! إنما كان يؤدي عبادة اللحظة القائمة، في المناسبة القائمة، ويؤديها على مستوى القمة في الأداء!

(1) أخرجه النسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت