فهرس الكتاب
رفافة إلى آفاق لم تكن ترتادها من قبل، أو كانت ترتادها فهجرتها تحت وطأة المشاغل اليومية التي تتعامل مع عالم الحس أكثر مما تتعامل مع عالم الروح، فيعيد ذلك الشهر المبارك إلى النفس طاقتها الروحية الشفيفة، فيتجدد بناء الإنسان، وتتوازن في نفسه المشاعر، وتتوازن الرغبات ..
ثم إن الصيام تجنيد للنفس وتدريب على الاستعلاء على الشهوات، ينمي في القلوب تقواها وإخباتها إلى الله.
إن التقوى لا تكون مع غلبة الشهوات .. إنما تكون مع الانضباط الذي يلزم النفس بالحدود التي حددها الله، وقال عنها: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا) [1] أو (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا) [2]
والانضباط يحتاج إلى تدريب لكي يصبح عادة، حتى تستسلم شهوات النفس والجسد لإرادة الإنسان، ويصبح قيادها في ديه، يطلقها - بقدر - حين يشاء، ويحبسها - بقدر - حين يشاء.
والصيام هو ذلك التدريب! وهو يتناول من الجسد والنفس أقوى دفعاتها: الطعام والشراب والجنس. ومن ثم فهو تدريب معين على التقوى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [3]
وكانت الزكاة في حسهم - كما ينبغي أن تكون - زكاة للنفس والمال معًا، وطهرا للحياة كلها حِسِّيِّهَا ومعنوِيّها سواء.
(1) سورة البقرة [187] .
(2) سورة البقرة [229] .
(3) سورة البقرة [183] .