فهرس الكتاب
لم تكن"ضريبة"تؤدى للدولة .. ولكنها قربة تقدم إلى الله.
وفرق كبير بين أن تكون ضريبة مالية أو عينية، تمتزج في حس دافعيها بسطوة الدولة وقهرها، وبين أن يشعر من يؤديها بأنه يتطهر بأدائها .. يغسل أدرانه، ثم يبدأ صفحة جديدة من الكدح خالية مما يشوب بياضها. فيمشي في مناكب الأرض ليأكل من رزق الله، متطلعا لرضوان الله يوم يلقاه:
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [1]
والتطهر الذي تشير إليه الآية الكريمة: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [2] ليس هو التطهر من الشح وحده، وهو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهن حين تذكر زكاة المال. ولكنه تطهير السعي كله في مناكب الأرض من أن يدخله الحرام أو يُتَوَجَّه فيه بالحرام.
والإنسان الصالح الذي يهدف الإسلام إلى تنشئته ليقوم بدور الخلافة في الأرض، لا بد أن يستعلي على شهوة المال من ناحية، ولا بد أن يشعر برابطة الأخوة بينه وبين المؤمنين من ناحية أخرى. أخوة توجب عليه كفالة العاجزين منهم وإعانتهم على توفير الحياة الكريمة التي يكفلها الإسلام لجميع الناس.
وحين يتحرى الإنسان الطيب الحلال وهو يسعى إلى الرزق، ويتحرى هذه الأخوة بينه وبين المؤمنين فلا شك تسمو نفسه وترتفع فتزكو كما يريدها الله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [3]
(1) سورة الملك [15] .
(2) سورة التوبة [103] .
(3) سورة الشمس [9] .