جلت قدرته قد قضى بأن تكون سنته الجارية ثابتة في الحياة الدنيا، وأن تكون سنته الخارقة استثناء لها، وكلتاهما معلقة بمشيئة الله.
لذلك كان في حسهم أنه لا بد لهم من مجاراة السنن الجارية إذا رغبوا في الوصول إلى نتيجة معينة في واقع حياتهم، أي أنه لا بد من اتخاذ الأسباب المؤدية إلى النتائج بحسب تلك السنن الجارية.
وبيّن الله لهم ذلك بيانا صريحا في كتابه المنزل.
فلقد قدر الله لدينه أن ينتصر ويمكّن في الأرض، وقدر لكيد الكفار أن يحبط:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [1] .
(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ) [2] .
لا يعجزون الله الذي كتب لدينه النصر، ولا يسبقون قدره. فقدره هو السابق وإرادته هي النافذة.
ومع ذلك فهل قال لهم: ما دمت قدرت لديني النصر والتمكين فاقعدوا وانتظروا نفاذ قدري، وهو لا بد نافذ؟ كلا! إنما قال لهم - في نفس الوقت الذي عرفهم فيه بقدره المكتوب لهذا الدين، وبأنه نافذ لا محالة - إنه لا بد لهم أن يجاهدوا ويعدوا:
(1) سورة الصف [9] .
(2) سورة الأنفال [59] .