كيف تحول هذا التوازن الرائع إلى سلبية كاملة، وقعود عن اتخاذ الأسباب بدعوى الاتكال على الله؟
ثم إنه لم يكن في حس الأمة الأولى تعارض بين التسليم لقدر الله، والعمل على تغيير الواقع السيئ حين يكون.
إن كل شيء في هذا الوجود وفي حياة البشر واقع بقضاء الله وقدره. لا جدال في ذلك ولا شك فيه في نفوس المؤمنين.
وحين يوجد واقع سيئ في حياة الناس فهو واقع بقضاء الله وقدره، سواء بسبب من عند الناس كما حدث للمؤمنين يوم أحد بسبب مخالفتهم لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لأمر لا مسئولية لهم فيه كما كان الحال في طاعون عمواس أيام الخليفة عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - (ولم تكن أسباب الطاعون معروفة يومئذ ولا وسائل علاجه، فلا مسئولية على أحد في ذلك الحين) أو ابتلاء من عند الله للمؤمنين ليمحصهم كما يحدث في فترات الابتلاء التي تجري بسنة من سنن الله:
(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [1] .
هذا وغيره مما يصيب الناس في الأرض يحدث كله بقضاء الله وقدره ..
ولكن الله لم يأمر الناس أن يستسلموا لقدر الله بمعنى عدم العمل على تغيير الواقع السيئ الذي هم فيه. إنما أمرهم بالتسليم (أو الاستسلام) لقدر الله بمعنى
(1) سورة العنكبوت [2 - 3] .