النفوس! وامتدح الله موقف المؤمنين"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح":
(الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [1] .
فهؤلاء هم الذين هزموا بقدر من الله (وإن كان بسبب من عند أنفسهم في الوقت ذاته) يقولون:"حسبنا الله ونعم الوكيل". فهم يتوكلون على الله ليخرجوا من الواقع السيئ إلى واقع جديد! ولا يمنعهم قدر الله السابق من التطلع إلى قدر جديد! وإذا كان قدر الله الأول قد أصابهم بخطأ ارتكبوه، فهم يتطلعون إلى قدر الله الآخر بعمل يقدمونه بين يدي ذلك التطلع، وهو الاستجابة لله والرسول، أي بسلوك صحيح بعد السلوك الذي وقعت فيه الأخطاء. وهو اتخاذ الأسباب مع التوكل على الله. وهكذا لم يتعارض في حسهم التسليم بقدر الله الواقع مع العمل على التغيير.
وفي طاعون عمواس، علم الخليفة رضي الله عنه بخبر الطاعون فأمر الجند بالانصراف، فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه:"أتفر من قدر الله؟!"قال:"أفر من قدر الله إلى قدر الله!"وهي عبارة بليغة تدل على عمق فهم الخليفة - رضي الله عنه - لقضية القضاء والقدر. إن الطاعون قدر واقع على الناس بالفعل، ولكن لم يقع بعد على عمر وجيشه. فالعمل على تحاشيه أمر واجب. وهو يتم - حين يتم - بقدر من الله كذلك. فقدر الله بالطاعون لا يمنع
(1) سورة آل عمران [172 - 174] .