الصفحة 215 من 306

قدر الله بالنجاة من الطاعون! ولقد اتخذ عمر الأسباب التي ظنها مؤدية إلى النجاة، فتمت النجاة بقدر من الله.

وفي الابتلاء الذي أصاب المؤمنين على يد قريش - وهو سنة من سنن الله لم تتخلف مع أي جماعة من المؤمنين تواجه الجاهلية في بدء الدعوة قبل التمكين - كان الابتلاء واقعا بقدر من الله، ولحكمة كذلك يعلمها الله ويريدها:

(فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [1] .

فهل منع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من محاولة التغيير؟ بطلب الجوار من بعض المشركين حينا، وبالهجرة إلى الحبشة حينا، حتى جاء الإذن بالهجرة إلى المدينة آخر الأمر؟

كلا! إن وقوع الابتلاء بقدر من الله، وبمقتضى سنة من سنن الله الحتمية، لا يمنع الاجتهاد في تحاشي الابتلاء أو التخلص منه، وحين يتم شيء من ذلك فإنه يتم بقدر من الله، وحين يخفق الجهد فسيكون ذلك أيضا بقدر من الله!

لذلك لم يتعارض في حس الأمة الأولى واجب التسليم لقدر الله مع محاولة التغيير تطلعا إلى قدر جديد من عند الله. وكان هذا من روائع ما تربّتْ عليه الأمة لتتوازن به بين سلبية الاستسلام التي تحطم الإرادة وبين الرغبة الجامحة التي لا تعرف التسليم.

كيف تحول هذا التوازن إلى قعود عن التغيير بدعوى الاستسلام لقدر الله؟

(1) سورة العنكبوت [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت