والأوربي الجاهلي المعاصر قد نبذ الدين بكل مضمونه وإيحاءاته، ولم يعد لله صلة في حسه بحياته الواقعة على الأرض. إنما صار في حسه أنه هو - الإنسان - هو الذي يصوغ حياته كما يحلو له، وهو الذي يكتب قدره بنفسه، وهو الذي يصنع التاريخ ويصنع الأحداث [1] .
وإلى جانب فتنته بنفسه إلى هذا الحد كانت فتنته في الوقت ذاته بالأسباب الظاهرة. فلقد قال له"العلم"إن هناك قوانين حتمية سموها في أوربا"قوانين الطبيعة"، لأنهم - وقد نبذوا إله الكنيسة - رفضوا أن ينسبوا السنن الكونية إلى الله، ونسبوها إلى إله جديد لا كنيسة له ولا تكاليف، سموه"الطبيعة"ونسبوا إليه الخلق والتدبير.
وما دامت القوانين في حسهم حتمية فلا مجال للقدر إذن في تصورهم! فماذا يصنع القدر إذا كان لا يملك أن يغير ما هو حتمي الوقوع؟! ونسوا - في غفلتهم - أن ثبات السنن الجارية في الكون هو ذاته قدر مقدر من عند الله الخالق يوم خلق سبحانه السماوات والأرض! ونفوا من حسهم - في غفلتهم كذلك - إمكان تغيير هذه السنن بإرادة من الله حين يشاء، فنفوا المعجزات والخوارق من جهة، ونفوا إمكان تغير نظام الكون كله حين يشاء الله!
ثم بدا لهم حين اتسع"علمهم"- أو اتسعت غفلتهم - أن الحياة البشرية - بل النفس البشرية - تحكمها قوانين حتمية كتلك التي تحكم الكون المادي. وسرت هذه الحتمية في التفسير المادي للتاريخ [2] ، والتفسير الجثماني للمشاعر
(1) صدر ذات يوم كتاب أوربي - باللغة الإنجليزية - عنوانه"الإنسان يصنع نفسه Man makes Himself"وكتاب آخر عنوانه الإنسان يقوم وحده Man Stands Alone أي بدون إله!.
(2) عند الماركسيين.