فهرس الكتاب
وإذا كانت هذه هي القضية في حس الإنسان السوي فالموقف الذي تمليه الحكمة، ويتناسب مع"الفؤاد"الذي وهبه الله له، أن يكتفي بالقدر المباح من المتاع لا يتجاوزه إلى ما حرم الله، فتستقيم حياته في الدنيا، وينجو من عذاب الله الرهيب، ويستمتع في الآخرة بالجنة والرضوان.
وهكذا كان الأمر في حس الأجيال الأولى التي تربت على المنابع الصافية لهذا الدين، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكانت الدنيا والآخرة في حسهم - تبعا لذلك - طريقا واحدا وحسبة واحدة:
(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [1] .
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [2] .
ولكن هذا التوازن الجميل الذي أنشأه الإسلام في النفس البشرية، وحققته الأجيال الأولى من المسلمين ذلك التحقيق الرائع. الذي وعاه التاريخ، والذي أثر في الواقع البشري بصورة لا يوازيها تأثير آخر في التاريخ ..
هذا التوازن الجميل بدأ يختل بعد تلك الأجيال الأولى، وإن كان الخلل في هذه المرة قد وقع في الاتجاه المقابل تماما لما كان عليه في الجاهلية العربية ..
كان الخلل في الجاهلية العربية هو انفصال الدنيا في حس الناس عن الآخرة، لعدم إيمانهم بالآخرة والبعث والجزاء، ومن ثم إيثار الحياة الدنيا؛ وهو الآن انفصال
(1) سورة القصص [77] .
(2) سورة الملك [15] .