فهرس الكتاب
ولقد يشتبه المظهر لأول وهلة بين الزاهد والصوفي من بعض الجوانب.
كلاهما مترفع عن المتاع، منصرف عنه أكثر وقته. وكلاهما صارف همه إلى أنواع من العبادة لا تدع فرصة للاستمتاع بالمتاع المباح ..
نعم .. ولكنهما يفترقان بعد ذلك! ويكاد يصل الافتراق بينهما إلى طرفي نقيض!
يفترقان في نوع العبادة التي يتجه كل منهما إليها .. أي أنهما في الحقيقة يفترقان في"مفهوم العبادة"، ومن ثم يفترقان في منهج الحياة، وفي منهج السلوك.
إن الامتناع عن بعض الشهوات يحتاج بادئ ذي بدء إلى عزيمة قوية، لبناء"السد"الذي يقف في وجه هذه الشهوات. ثم إن هذا الامتناع ذاته، حين يقف في وجه التيار المتدفق للشهوات، يجمّع في النفس طاقة هائلة، رفيعة في ذاتها، تتجه إلى مستويات أعلى، وتنطلق في تلك المستويات العالية، كما يقف السد في وجه تيار الماء فيحجز جانبا منه، فيرتفع مستواه، فيصل إلى مستويات لم يكن يصل التيار إليها في مجراه الأصلي ..
وإلى هنا تتشابه"العملية النفسية"التي تنشأ عن الزهد، والتي تنشأ عن التصوف .. وتتجمع في نفس الزاهد وفي نفس الصوفي طاقة نفسية هائلة، رفيعة المستوى، قابلة للتوجه إلى آفاق لا يصل إليها قط صاحب النفس المنساقة مع الشهوات ..
ثم تختلف الآفاق ..