الصفحة 251 من 306

فأما زهاد الجيل الأول، وعلى رأسهم سيد الزهاد - صلى الله عليه وسلم - فقد علمنا طبيعة الآفاق التي رفعهم إليها زهدهم في متاع الأرض ..

الجهاد في سبيل الله. الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. الجهاد ليكون الدين كله لله. الجهاد لإقامة العدل الرباني في واقع الأرض. الجهاد لإقامة المجتمع المثالي الذي يحقق في عالم الواقع ما يتخيله الناس في عالم المثال. الإيجابية الهائلة التي تغير الواقع المنحرف، وتنشئ بدلا منه الواقع السوي. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذان هما رسالة الأمة التي أخرجها الله لتكون خير أمة:

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [1] .

آفاق عالية، تنطلق فيها الطاقة المخزونة التي رفعها الزهد، فتنشئ في عالم الواقع بناء شامخا يبهر الأنظار، فيسري نوره في الأرض، فيضيء من ظلمات البشرية ما قدر الله أن يستضيء .. ويسري النور في نصف قرن فيضيء ما بين المحيط في الغرب إلى ما وراء الهند في الشرق، لا تقف في وجهه الحواجز، ولا تثبت في وجهه الظلمات.

هذا، والزهاد - وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا يحرّمون المتاع، إنما يرتفعون فوقه، فلا يعود يشغلهم عن الجهاد في تلك الآفاق العالية التي يجاهدون فيها، ولا عن الأهداف العالية التي يعملون بطاقتهم الإيجابية كلها لتحقيقها في عالم الواقع.

وحين تجد الزوج الودود عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام على عباءته فوق الأرض اليابسة فتشفق عليه، فتطبق له العباءة

(1) سورة آل عمران [110] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت