الصفحة 252 من 306

طبقتين لتكون ألين لجسده الشريف، يغضب - عليه الصلاة والسلام - ويأمرها أن تعيدها كما كانت، ليظل على درجته الرفيعة من التبتل إلى الله، لا يشغله هذا"اللين"النسبي عن توفير طاقته كلها للجهاد في سبيل الله. ومع ذلك فهو - صلى الله عليه وسلم - الذي قال:"ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني!".

أما الصوفية فماذا صنعوا بتلك الطاقة الهائلة التي وفرها في نفوسهم ترفعهم عن المتاع؟!

لقد صرفوها إلى نوع آخر من الجهاد .. جهاد الشيطان في داخل النفوس. وأوّلوا في سبيل ذلك كل آيات الجهاد الواردة في كتاب الله، حتى تلك التي تشمل ألفاظا صريحة تنص على قتال الكفار والمنافقين والغلظة عليهم!

وجهاد الشيطان مأمور به ولا شك .. ومن تحصيل الحاصل أن نقول: إن ذلك الجيل الفريد الذي حقق في عالم الواقع ما حقق من المُثُل الرفيعة، قد جاهد الشيطان وظفر في جهاده له بأكبر نصر عرفه التاريخ. ولكنهم ما جعلوا معركتهم مع الشيطان هي نهاية المطاف .. حتى بعد أن انتهى سلطانه من نفوسهم بشهادة العليم الخبير:

(إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) [1] .

وهو وصف يصدق على المؤمنين جميعا، ولكنه يصدق بصفة خاصة على الذين شهد الله لهم بالإيمان:

(1) سورة النحل [99 - 100] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت