الصفحة 257 من 306

وفي الوقت ذاته هل يكون الإنسان قد قام بالعبادة المطلوبة منه - المفصلة على قده هو [1] - لو نجح في الوصول إلى الشفافية النورانية الروحية بقتل الجسد وإماتة الشهوات؟!

لا أحد ينكر أن الصوفي الحقيقي [2] يصل بالرياضة الروحية إلى آفاق شفيفة تحلق فيها روحه خفيفة من ثقلة الجسد، طليقة من جذب الشهوات، فترتاد عوالم لا يقدر عليها اللاصق بالطين، المستغرق في الشهوات ..

لكن يقع الصوفي من جانب آخر في خدر لذيذ يخيِّل إليه أنه"واصل".. ومن هنا لا يعمل! لأنه إذا كان العمل هو وسيلة الوصول للإنسان"العادي"، وهو قد وصل بالفعل، فما حاجته بعد إلى الوسيلة! إنما يسعى إلى الوسيلة من لم يتمكن من"الوصول".. أما الواصلون .. فحسبهم أنهم واصلون!

وهكذا تلتقي في نفس الصوفي عوامل كثيرة تصرفه عن العمل في واقع الحياة .. عن"الجهاد"الذي يخوضه الزاهد لإقامة منهج الله في الأرض .. لتكون كلمة الله هي العليا .. ليكون الدين كله لله .. لتحطيم الباطل وإزهاقه، وإقامة الحق وإعلائه .. للبناء والتعمير .. للزيادة والنماء .. لإعداد القوة لإرهاب عدو الله ..

العامل الأول هو نظرته للدنيا - وهي في حسه منفصلة عن الآخرة - على أنها السجن الذي يسعى إلى الخلاص منه، بانطلاقة الروح التي تخلصت من ثقلة الجسد، فاتصلت بالنور الإلهي واتصلت بالآخرة - المنقطعة في حسه عن الدنيا ..

(1) راجع فصل"مفهوم العبادة".

(2) أي الصادق المتبتل، لا المشعوذ المحترف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت