فهرس الكتاب
ذلك إذن هو المفهوم الإسلامي للحضارة .. حضارة"الإنسان"الخليفة في الأرض، المخلوق من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله. إنه ليس ذلك الحيوان الدارويني الذي يلفظ - بحكم تكوينه - كل القيم والأخلاق والمبادئ، ولا ذلك الإله الزائف الذي يتبع هواه، ويتجبر به في الأرض مستكبرا عن عبادة الله.
وعلى أساس هذا المفهوم قامت حضارة إسلامية متفردة في التاريخ.
قامت - عند مولدها - بأعظم قدر من القيم في تاريخ البشرية، وبأقل قدر من المظاهر المادية قامت عليه حضارة في التاريخ: مجموعة من الخيام، وبيوت الطين، وبساتين النخل، والخيل والإبل والأغنام، والسهام والسيوف!
وكانت - بصورتها تلك - إحدى معجزات التاريخ!
فهذا القدر من العمارة المادية للأرض لا يتصور إنسان أنه ينشئ حضارة، فضلا عن تلك الحضارة السامقة الفريدة. ولكن الفيض الهائل من القيم، الذي لا مثيل له في التاريخ، مطبقا في صورة واقع، لا في صورة شعارات أو مُثُلٍ معلقة في الفضاء، هو الذي عوض هذا النقص في العمارة المادية وغطاه، وأخرج"خير أمة أخرجت للناس".
ومع أن هذه لم تكن الصورة النهائية لتلك الحضارة، إنما كانت هي"المولد"فحسب، إلا أن لنا وقفة عند هذه الصورة الفريدة التي شهدتها البشرية. وقفة تجيب على هذا التساؤل: أي جانبي الحضارة يمكن أن يغطي النقص في الجانب الآخر ويعوضه (حين يوجد نقص لسبب من الأسباب) : أهو الجانب المعنوي - جانب القيم - أم الجانب الحسيّ المادي؟!