فهرس الكتاب
وكان الترف القتّال من جانب، مصحوبا - أو متبوعا - برد فعل خطر على الجانب الآخر، هو الانزواء والانصراف عن العمارة المادية للأرض، وعن اتخاذ أسباب القوة المادية، بحجة أن الدنيا ملعونة لأنها تصرف الناس عن الآخرة.
وبذلك كانت الحضارة تنهار من جانبيها في وقت واحد: الجانب الروحي والمعنوي - جانب القيم والأخلاق والمبادئ - يفسده الترف المنحلّ، والجانب المادي والحسيّ تفسده الصوفية المنصرفة عن تعمير الأرض ..
ولا الترف مقبول من الأمة المسلمة، ولا الطريق الصحيح لتقويمه هو الانزواء والانصراف عن عمارة الأرض، فقد كان كلاهما من أسباب الضعف الذي أغرى أعداء الأمة الإسلامية، فجاءوا من الشرق والغرب يحاولون القضاء على دين الله.
لقد حدثت موجة من الانحسار الشامل في كل ميدان.
ميدان الفكر والعلم. ميدان الأدب والفن. ميدان السياسة والاقتصاد والحرب. ميدان الإنتاج المادي الصناعي والزراعي. ميدان السلوك الخلقي .. وكذلك - وقبل كل شيء - في مجال العقيدة الصحيحة. في مفهوم العبادة ومفهوم لا إله إلا الله [1] .
واستمر هذا الواقع عدة قرون، والعالم الإسلامي ينحدر كل يوم، وأعداؤه يتقوون على حسابه، ويتحولون من الدفاع إلى الهجوم، ويقتطعون كل يوم قطعة من العالم الإسلامي، يستذلونها ويستعبدونها، ويحاولون القضاء على الإسلام فيها ..
(1) راجع إن شئت فصل"خط الانحراف"من كتاب"واقعنا المعاصر".